رد اعتبار أو نوايا غامضة.. تركيا تعيد بناء وتطوير أسطولها البحري العسكري

© Sputnik . Vitaly Timkiv / الانتقال إلى بنك الصورسفينة عسكرية تركية
سفينة عسكرية تركية - سبوتنيك عربي, 1920, 10.02.2022
تابعنا عبرTelegram
يحاول أردوغان جاهدا إحياء مجد الإمبراطورية العثمانية، وتجلى ذلك بوضوح من خلال السياسة الخارجية التركية في منطقة الشرق الأوسط مرورا بالبلقان وصولا إلى القارة الإفريقية. طموحات الرئيس التركي وأحلامه بإحياء الدولة العثمانية العظمى لم يعد سرا على أحد، حيث يعمل على مشاريع مختلفة لمحاولة إحياء الدولة التاريخية وتعد القوة البحرية للدولة من أبرز ركائزها.
لطالما أولت الإمبراطورية العثمانية منذ نشأتها الأولى اهتمامًا فائقًا بالأسطول البحري الذي كان أحد أهم ركائز الدولة على مدار ستة قرون كاملة، فقد استطاع العثمانيون السيطرة على جزء كبير من البحار في المنطقة، واستطاع العثمانيون تحويل هذه القوة إلى أقوى الأساطيل في العالم خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وتعد القوة البحرية التركية اليوم الوريث الشرعي لسالفتها العثمانية التي تميزت بقوتها وسيطرتها الواسعة وأساطيلها القوية التي حملت لقب سيّدة البحار من خلال أدائها المميز بحسم الجولات والمعارك المائية مع أساطيل أوروبا، ومن جهة أخرى ورثت تركيا أعباء خسارة الحرب العالمية وانتصار الحلفاء الذين كبلوا أنقرة باتفاقات دولية أثقلتها وأضعفت قواتها البحرية خلال العقود الأخيرة.
أهمية القوة البحرية بالنسبة لتركيا
تعتبر القوة البحرية من أهم ركائر الأمبراطورية العثمانية تاريخيا وبقيت ركيزة أساسية خلال عهد الدولة التركية الحديثة، لكن قوتها انحسرت بفعل التغيرات الجيوسياسية والعالمية، ومع ذلك استمرت أنقرة بالحفاظ على اسطولها على قدرالإمكانات المتوفرة لأسباب ودوافع أقل ما يقل عنها موضوعية وهامة مرتبطة بموقع الدولة الاستراتيجي الذي يربط أوروبا وآسيا.
وصول أردوغان إلى السلطة وبروز سياسة خارجية جديدة للدولة تتجسد من خلال طموحات تركية بالتوسع والسيطرة على المواقع الاستراتيجية المهمة لتعزيز نفوذها الدولي، أعطى أنقرة دفعا إضافيا لإعادة تطوير وبناء الأسطول البحري التركي.
© Sputnik . Vitaliy Timkiv / الانتقال إلى بنك الصورسفينة حربية تركية
سفينة حربية تركية - سبوتنيك عربي, 1920, 10.02.2022
سفينة حربية تركية
إعادة استنهاض وبناء أسطول بحري تركي قوي
استطاعت تركيا في السنوات الأخيرة من تطوير صناعاتها العسكرية واحتلت مكانة بارزة في صناعة الطائرات المسيرة المعروفة بطائرات "بيرقدار" التي باتت تستخدمها جيوش آسيوية وأوروبية وأثبتت فعاليتها في ميادين متعددة من ليبيا مرورا بسوريا وصولا إلى ناغورنو قره باغ.
نجاح المشروع لاقى حماساً تركياً مقابلاً، فقد بدأ مهندسون وخبراء أتراك العمل جديا بابتكار مشروع مواز مرتبط بالمجال البحري وهو كناية عن غواصات صغيرة مسيرة مشابهة نوعا ما بإمكانياتها للطائرات المسيرة لتخدم في "الوطن الأزرق" كما يحلو للأتراك تسمية البحار الخاضعة لهم والمحيطة بهم.
وبهذا الصدد، يقول أحد أبرز الخبراء العسكريين الأتراك أن عملية تطوير وبناء هذا النوع من الغواصات يتطلب وقتا إضافيا، نظرا للدقة المطلوبة في التصنيع والصعوبة التي قد تواجهها المؤسسات الصناعية العسكرية في مشاريع كهذه، معتبرا في الوقت ذاته أن تركيا قادرة على ذلك بعد وصولها إلى مستوى مرموق في الانتاج الحربي.
© REUTERS / Murad Sezerسفينة تركية قرب السواحل الليبية
سفينة تركية قرب السواحل الليبية - سبوتنيك عربي, 1920, 10.02.2022
سفينة تركية قرب السواحل الليبية
واستطرد الخبير كلامه عن اسم المشروع التركي المرتقب " STM-500" الذي يضم صناعة غواصات عسكرية صغيرة مسيرة لا تحتاج لطاقم فعلي لقيادتها وتتميز بقدرتها على قطع مسافات طويلة وأن تبقى تحت المياه لفترات طويلة من الزمن.
كل ذلك يعطي آملا كبيرة لتركيا لتصبح قادرة على المنافسة مع الدول العظمى الأخرى في مجال الصناعة العسكرية وتحديدا الجوية والبحرية، حيث ستقدم نماذج متطورة بأسعار أقل مقارنة بالصناعات العسكرية الأخرى.
قررت أنقرة في السنوات الأخيرة من زيادة الميزانية العسكرية عموماً وخصصت للقوة البحرية الحصة الأكبر تحديدا ويأتي هذا القرار موازيا للسياسة الخارجية والعسكرية المتبعة من قبل أردوغان للتوسع والدفاع عن المصالح والنفوذ التركية في العالم.
تمتلك الدولة الأوراسية اليوم أكبر الأساطيل البحرية في المنطقة، حيث يدخل في إطارها نحو 49 ألف عسكري وقطع عسكرية يصل عددها إلى 195 قطعة بمهمات ومميزات مختلفة بينها 16 فرقاطة، 4 منها من فئة "بارباروس" التي أنتجت بنهاية التسعينيات وحُدّثت مؤخراً بأحدث التقنيات العسكرية، وهي مزودة بأنظمة دفاع جوي وصواريخ دفاع جوي إطلاق أفقي.
كما يضم الأسطول التركي 10 فرقاطات بحرية صغيرة الحجم متميزة بسرعتها وقدرتها العالية على المناورة، بالإضافة إلى 13 غواصة آخرها دخلت الخدمة عام2007، وهي غواصة ألمانية من فئة "غُر". ومن المقرر أن تحل 6 غواصات حديثة من فئة "رئيس" محلية الصنع مكان 4 غواصات من فئة "آي" اعتباراً من 2021.
كما يمتلك الأسطول التركي عشرات الزوارق الهجومية السريعة، بينها من طراز "كليج" المصنعة خلال العقد الأخير والمزودة بأنظمة تكنولوجية حديثة، وتتميز بقوة تسليحها وسرعتها وقدرتها على المناورة، بالإضافة إلى زوارق من فئة "يلديز"، بالإضافة إلى زوارق للدوريات الروتينية والحراسة وعشرات سفن الإنزال والهجوم البرمائي وسفن الانقاذ وعدد من كاسحات الألغام وسفن النقل.
تتطلب أهداف أردوغان الطموحة إلى تعزيزات مناسبة والبحرية القوية هي أحد العناصر المهمة والأساسية، لذلك يجري العمل على إنشاء مدمرة جديدة وسفينة دورية لضمان المستوى المناسب لأنظمة الدفاع الجوي للسفن الجديدة، كما يتم إنشاء جيل جديد من الرادار متعدد الوظائف بقدرات واسعة للاتصال بالقواعد. كما تعمل أنقرة على إنشاء سفن إمداد جديدة قادرة على توفير كل الضروريات للجيش التركي خلال المهمات البعيدة وفي المناطق غير الخاضعة لسيطرته.
© AP Photo / Vadim Ghirdaسفينة حربية تركية
سفينة حربية تركية - سبوتنيك عربي, 1920, 10.02.2022
سفينة حربية تركية
رد اعتبار أو نوايا غامضة
وبناء على ما تقدم، تجول الكثير من الأسئلة والأفكار حول نوايا تركيا الغامضة بإعادة بناء وتطوير أسطولها البحري، خصوصا مع اعتماد المجمع الصناعي على الصناعات الخفيفة والسريعة والمعدة للعمليات البعيدة عن القواعد الآمنة، وبالتالي تطرح التكهنات عن ماهية غرضها الأساسي في المستقبل في ظل التغيرات والتحولات الدولية والسياسية في العالم.
من الواضح، أن القطع البحرية التركية المخطط لصناعتها تحمل طابعا هجوميا أكثر منه دفاعيا، حيث تكشف مميزاتها عن دورها في تقديم الدعم العسكري واللوجستي للأفراد والعناصر في مناطق خارجية غير مألوفة من قبل (غريبة وتابعة لسيطرة دول أخرى)، بالإضافة إلى إمكانياتها وقدراتها التقنية والذاتية لا تقتصر على مهمات داخل حدود البحر الأسود وبحر الأبيض المتوسط بل تتعداه وتتوسع إلى أبعد من ذلك بكثير.
أخيرا، في حال قمنا بالتدقيق والنظر بالمشاريع الصناعية وبما يخطط له أردوغان الذي يحلم بإعادة الامبراطورية العثمانية، فإن تركيا ترى نفسها في المستقبل ليس فقط كقوة بحرية تتحكم بمضائقها وسواحلها ومجالها البحري، بل تفكر بالتوسع أكثر وأكثر إلى مناطق وبحار حدود الأحلام العثمانية المندثرة منذ زمن بعيد.
لكن، من جهة أخرى لا بد من الإشادة بتركيا اليوم أنها دولة إقليمية تمتلك عناصر قوة عدة وبينها العنصر الجغرافي والجيوسياسي الذي يحتم عليها امتلاك أسطول بحري قوي ومتوازن، لذلك تفكر أنقرة ملياً بتطوير أسطولها البحري لفرض سياسة رد الاعتبار لحجمها الإقليمي أو لرغبة الإعلان عن نفسها بشكل أقوى ولعب دور أكبر في المنطقة عبر سياسة توسعية لطالما حلمت بها بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية.
المقال يعبرعن رأي كاتبه
شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала