ما الضريبة التي تدفعها تونس جراء الاقتراض المفرط من الغرب؟

تونس - سبوتنيك عربي, 1920, 23.11.2022
تابعنا عبرTelegram
وضع تقرير لوكالة "بلومبيرغ" تونس ضمن قائمة 11 دولة مهددة بالتخلف عن سداد ديونها، في وقت لا يلمس فيه التونسيون أثرا لهذه القروض على مستوى معيشتهم.
وتجاوزت ديون تونس عتبة 109 مليار دينار (قرابة 44 مليار دولار) إلى حدود نصف السنة الحالية، لتفوق بذلك نسبتها 78 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات حديثة أصدرتها وزارة المال التونسية.

قروض دون جدوى

لا تعني هذه الأرقام شيئا بالنسبة للمواطن التونسي سهيل الفالحي (عامل بناء، 43 سنة) الذي قال لـ "سبوتنيك"، إنه سئم من متابعة العناوين التي تنقل حصول تونس على قروض أو هبات من دول أجنبية.
وأضاف: "لا نعرف أين تذهب هذه الأموال الضخمة التي يتناقلها المسؤولون في بلادنا بفخر وكأنها إنجاز سيحل أزمتنا 96256 وسينقلنا من مرتبة الفقراء إلى مرتبة الأغنياء... فجيوبنا ما تزال خاوية ومعيشتنا تزداد صعوبة وارتفاع الأسعار لا يتوقف".
لا يغيب عن غسان الربيعي وهو طالب في المعهد العالي للمالية والجباية (24 سنة)، كما العديد من التونسيين، اعتماد الحكومات التونسية المفرط على الاقتراض الذي تحوّل من أداة لدفع الاستثمار إلى وسيلة لتمويل حاجيات الموازنة إلى طريقة لسداد الديون المتخلدة بذمة الدولة التونسية.
يقول غسان، في حديث لـ"سبوتنيك"، إنه "في الوقت الذي تلجأ فيه دول عدة إلى الاقتراض لدفع عجلة الاستثمار وبعث المشاريع لخلق النمو والثروة، تنفق تونس هذه الأموال غير القارة لتمويل حاجياتها الأساسية وحتى لخلاص الأجور، ولا يتعدى ما تخصصه للاستثمار نسبة 10 بالمائة".
ويصف غسان ديون تونس المتراكمة بأنها شوكة في حلق الأجيال القادمة التي يقول إنها ستدفع فاتورة انجراف الحكومات المتعاقبة نحو الاستدانة المفرطة، مشيرا إلى أن "الضريبة التي دفعها الشعب التونسي غالية من الناحية الاقتصادية ومن ناحية ارتهان قرار دولتهم للغرب".

تمويلات أوروبية بمقابل

ويُقدّر خبراء حجم القروض والهبات التي تحصلت عليها تونس خلال التسع سنوات التي تلت الثورة بما يفوق الـ 100 ألف مليون دينار، 70 في المئة منها في شكل قروض.
وترى الخبيرة في الشأن الاقتصادي جنات بن عبد الله، في تصريح لـ "سبوتنيك"، أن هذه الأموال ليست مجانية وأن الضريبة التي تدفعها تونس لا تقتصر على سداد القروض بنسب الفائدة بالعملة الصعبة وترحيلها للأجيال القادمة، بل تتعدى ذلك لغايات أخرى تصفها بالخطيرة.
وأوضحت: "ما يحدث في تونس، هو أنه كلما تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة كلما سارع الاتحاد الأوروبي وفرنسا إلى ضخ أموال بالعملة الصعبة سواء في شكل قروض أو هبات".
وتابعت:
"هذا الأمر يتوقف طبعا على مدى انضباط السلطات التونسية في ضمان مصالح المشروع الفرنسي الأوروبي في تونس".
واعتبرت بن عبد الله أن حكومة نجلاء بودن جسدت هذا الأمر من خلال عديد التنازلات، في علاقة مثلا بمسألة الهجرة غير النظامية واحتضان تونس للقمة الفرنكفونية المرفوضة من قبل قطاع واسع من الشعب التونسي باعتبارها تكرس التبعية للمشروع الفرنسي الأوروبي، حسب قولها.
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ونظيره التونسي، قيس سعيد، يتصافحان قبل اجتماع ثنائي بينهما خلال قمة البلدان الفرنكوفونية الـ18 في جربة، تونس، 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 - سبوتنيك عربي, 1920, 20.11.2022
فرنسا تمنح تونس قرضا بقيمة 200 مليون يورو على هامش القمة الفرنكوفونية
وترى بن عبد الله أن الأموال الأوروبية تأتي لتغطية "الأكذوبة الكبرى" التي تعيش على وقعها تونس منذ قرون بتواطؤ بين الحكومات التونسية المتعاقبة والاتحاد الأوروبي، والتي تشير إلى أن لتونس فائضا تجاريا مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، والحال أن لتونس عجزا تجاريا يساوي 50 في المئة من العجز التجاري الجملي للبلاد.
وأضافت: "لهذه المغالطة خلفية خطيرة تعمل على منع تونس من اللجوء إلى اقرار اجراءات حمائية ظرفية على الواردات الأوروبية لتونس في إطار اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة على خلفية وجود عجز تجاري مع الاتحاد الأوروبي ومع فرنسا بما يتسبب في الحاق ضرر بالنسيج الاقتصادي التونسي".
وقبل نحو أسبوع، أعلن البنك المركزي التونس أن احتياطي تونس من العملة الصعبة تراجع إلى 98 يوم توريد، وهو أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات.
والسبت الفائت، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستمنح تونس قرضا قيمته 200 مليون يورو لتجاوز أزمتها الاقتصادية، تزامنا مع هبة أوروبية بقيمة 100 مليون يورو.

إملاءات تقسم ظهر التونسيين

وتقول الخبيرة في الشأن الاقتصادي جنات بن عبد الله، إن حكومة نجلاء بودن قلّدت الحكومات السابقة في التعويل المفرط على الاقتراض، وانخرطت في تنفيذ الفصل الأخير من برنامج صندوق النقد الذي تصفه بالإصلاحي بينما أثبتت التجربة فشله.
وتابعت "ما يحدث واقعيا، هو أننا كلما اقترضنا من صندوق النقد ومن المؤسسات المانحة كلما ازددنا فقرا وحاجة إلى مزيد الاقتراض. فتونس اليوم أصبحت تقترض لتسديد ديونها القديمة وخلاص حاجياتها من التوريد"، مشيرة إلى أن البلاد دخلت منذ عام مرحلة الإفلاس غير المعلن بدليل عجزها عن سداد ديونها وعدم توفر الاحتياطي من العملة الصعبة لتأمين ذلك.
ويشير رئيس حزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي في حديث لـ "سبوتنيك"، إلى أن تونس أصبحت تعيش في حلقة مفرغة، فهي تستدين لتسدد الديون السابقة، مضيفا أن هذا التمشي يقود البلاد إلى الإفلاس.
وقال الشواشي إن سياسة حكومة نجلاء بودن تتجه إلى مزيد إغراق تونس بالقروض، على اعتبار أن الاتفاقية المرتقبة مع صندوق النقد الدولي ستفتح لها أبواب الاقتراض من المؤسسات المانحة ومن الدول الأجنبية.
وأضاف:
"بينما تعيش البلاد على وقع أزمة اقتصادية مستعصية فاقمتها تداعيات العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا، باشرت السلطات التونسية في تنفيذ املاءات صندوق النقد الدولي التي ستزيد من معاناة التونسيين وتعمق فقرهم".
وقال الشواشي: "حتى الدول القوية اقتصاديا تأثرت بالارتفاع الجنوني للأسعار ولنسب التضخم، والدليل هو ما يحدث في فرنسا من احتجاجات تطالب بالترفيع في الأجور بالرغم من أن المواطنين يتمتعون بدعم المحروقات".
الرئيس التونسي قيس سعيد في قطر 16 نوفمبر 2020 - سبوتنيك عربي, 1920, 30.09.2022
الرئيس التونسي يوقع على قرض جديد
وأشار الشواشي إلى أن تونس من بين أكثر الدول تأثرا بالعملية العسكرية الروسية على أوكرانيا على اعتبار أن أكبر نسبة من وارداتها من القمح متأتية من أوكرانيا وأكبر نسبة من وارداتها من المحروقات متأتية من روسيا.
وتابع: "في خضم التداعيات القاسية على تونس وارتفاع التضخم إلى ما يزيد عن 9%، تسعى السلطات إلى تنفيذ املاءات ستقسم ظهر التونسيين من تجميد للأجور وللانتدابات ورفع للدعم".
ويرى الشواشي أن املاءات صندوق النقد الدولي ستزيد من تفقير الفقراء وجزء كبير من الطبقة المتوسطة التي تدحرجت إلى ما دون المتوسط بفعل ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن هذا الوضع من شأنه أن يؤجج الأوضاع الاجتماعية وربما يؤدي إلى انفجار اجتماعي.
شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала