مجتمع

دور الصمت والفراغ لتحقيق "الحضور"... الخطوة السابعة نحو "قوة اللحظة"

يسرد كتاب "قوة الآن" أو The Power of Now، لإيكارت تول، خطوات عملية على طريق الوصول إلى الهدف الذي يسعى جميع البشر بلا استثناء إلى بلوغه خلال حياتهم، فمن منا لا يريد الوصول إلى السلام النفسي الكامل، والسمو فوق جميع مشاكل الحياة، وأن يضع قدمه على الطريق الصحيح للعلاقات الاجتماعية والعاطفية.
Sputnik

بدأنا في الفصل الأول من الكتاب بالحديث عن كيفية التحرر من التفكير الزائد، ثم تناول الفصل الثاني أهمية عيش اللحظة الحالية فقط وأصل خوف الإنسان وأسبابه الحقيقية، وواصل تول حديثه في الفصل الثالث عن معنى السعادة الحقيقية، وخطورة الانغماس فيما يعرف بـ"الوقت النفسي"، أما الفصل الرابع فقد سلط الضوء عن المعنى الحقيقي للحياة، وفي الفصل الخامس ساعدنا تول على اكتشاف الحياة في كل ما حولنا حتى الجماد، وتحدث الفصل السادس عن أهمية الحضور والوعي في مكافحة أثر تقدم العمر على الجسم وتقوية جهاز مناعته.

يواصل إيكارت تول حديثه في الفصل السابع عن الطرق المؤدية إلى تحقيق حالة الحضور أو الوعي الكامل بالذات الحقيقية، وبعد أن استخدمنا الجسد كأحد البوابات لتحقيق الحضور، ننتقل الآن إلى استخدام تقنيات التأمل كطريق آخر يمكننا من خلاله تعزيز وعينا. تكمن الفكرة في التأمل في الوصول إلى حالة من الاسترخاء وصفاء الذهن، ويمكنك تحقيق بذلك عن طريق الجلوس في مكان هادئ وفي وضع مسترخ، ثم تنفس بعمق وهدوء وتركيز نظرك وكل انتباهك على وردة واحدة فقط.

تأمل أدق تفاصيل تلك الوردة، تأمل ساقها أوراقها الخضراء ألوانها وأشواكها إن وجدت، يساعد صب التركيز على عنصر واحد أمامك على تهدئة سيول الأفكار التي تعصف بعقلك وتحجب عنك الشعور بذاتك الحقيقية، في تلك الحالة لن تكون بحاجة إلى مقاومة أفكارك لأن العقل سيكف تلقائيا عن التشويش على انتباهك.

ويعتبر الصمت في حد ذاته أحد البوابات العظيمة للحضور في اللحظة الحالية والوعي بالذات الحقيقية، لذا ينصح تول بالانتباه أكثر للصمت ربما أكثر من انتباهنا للأصوات، فعلى أرض الواقع نجد أن الصمت هو بداية ونهاية كل الأصوات، فقبل انطلاق الصوت كان الصمت وبعد انتهائه لانجد إلا صمتا، كما أن الصمت يحيط بالصوت نفسه، وتركيز الانتباه على الصمت يمكنه أن ينعكس على الصمت الداخلي لدى الإنسان أي التخلص من الأفكار الزائدة التي ترهق ذهنه.

حاول أن تتأمل الصمت عندما تكن وحيدا، تأمل تلك الفجوات بين كلمات محدثك، استشعر هدوء وسكينة لحظات الصمت التي تزاحم الأصوات خلال حياتك اليومية الصاخبة، فلا يمكنك أن تنتبه إلى الصمت دون أن تنال شيئا من الهدوء والاستقرار النفسي.

وانطلاقا من المبدأ ذاته، لا يمكن إغفال قيمة الفراغ ودوره الفعال في وضعنا على الطريق الصحيح للوعي والحضور، فالفراغ أيضًا يعتبر المكون الأساسي للبيئة المحيطة بنا فعندما نقول أننا نجلس في غرفتنا فإننا لا نقصد بالفعل أننا متواجدون بصحبة قطع الأثاث، بل نتواجد في هذا الحيز من الفراغ الذي تحده الجدران من كل جانب.

ولا يقتصر وجود الفراغ في حيتنا على تلك المساحات الكبيرة، بل أن الفيزيائيين يؤكدون أن صلابة المادة ما هي إلا مجرد وهم، لأن الفراغ يشغل المساحات البينية لكل مادة بما في ذلك أجسادنا، ليس فقط بين ذرات المادة الواحدة بل داخل كل ذرة هناك فراغات.

وينوه الكاتب إلى أهمية عدم الانسياق وراء العقل لمحاولة تفسير ماهية الفراغ وفهم حقيقته، بل فقط يحثنا على الوعي به وتركيز انتباهنا عليه، فالفراغ ليس شيئا يمكن دراسته بل هو ما يسمح لكل شيئ بالظهور أمامنا واتخاذ حيزا منه، وكما أن صلابة الأشياء المحيطة بنا مجرد وهم يتخلله ويحيط به الفراغ، فكذلك أفكارنا وهمومنا مجرد أوهام صنعها العقل وصدقناها، لذا يمكن وضعها في حجمها الحقيقي بزيادة وعينا بالفراغ، الذي يعد الوجه الآخر للصمت، وكلاهما مكون أساسي للسلام الداخلي للإنسان.

ويرى إيكارت تول أنه في حال فشل الإنسان في تجربة الوعي والحضور من خلال إحدى البوابات سالفة الذكر، سواء كان تأمل الصمت أو الفراغ، فإن البوابة الأخيرة هي تجارب الاقتراب من الموت، فهناك الكثيرين ممن مروا بحالة الاقتراب من الموت وعادو للحياة تحدثوا عن شعورهم بصفاء وسلام لم يعهدوه من قبل، وذلك لأنهم تخلصوا لمدة لحظات من كل ما يربطهم بالعالم المادي والمخاوف التي تميزه.

في الفصل الثامن يتحدث الكاتب عن دور الوعي بالذات الحقيقية في الحصول على علاقات عاطفية جيدة، والتمييز بين العلاقات القائمة على النزوات وتلك القائمة على الحب الحقيقي.

مناقشة