الشاعرة عبير سليمان: السنوات السبع غيرت حياة السوريين للأبد

قالت الشاعرة السورية عبير سليمان، إن فكرة مغادرة سوريا في ظل ظروفها الراهنة "يشبه ترك والدتك أو ابنتك المصابة بطلق ناري ملقاة تتعذب في أرض المعركة والهروب للنجاة بحياتك، إن هذا سلوك جبان للغاية وفقا لتربيتنا وأعرافنا".
Sputnik

للاطلاع على كل ما قالته عبير سليمان، إليكم الحوار الآتي الذي أجرته معها وكالتنا "سبوتنيك":

سبوتنيك: في واقع الحرب يختلف كل شيء، خاصة في ضغوط الكتابة والتعبير عما يدور حولنا كيف أثرت السنوات السبع على عملية الكتابة؟ 

سنوات الحرب السبع كانت قاسية على كل السوريين، بل غيّرت حياتهم إلى الأبد، كنا على مواعيد يومية مع الخوف والحزن والموت و الخسارات، وهذا أثرّ بكل تأكيد على قصائدنا وكتاباتنا فلم نستطع تفاديه رغم محاولاتنا لتجاوز الحرب وانتظارنا الطويل لانتهائها.
المبدع دائما ما يحتاج إلى صفاء الذهن والمناخ الهادئ للكتابة فماذا عن الإبداع تحت القصف وأصوات المدافع؟
الكتابة في بلاد تخوض حربا مشحونة بكل مفردات القتال والموت والحزن، لا يمكن التنصل منها، لكننا؛ في وقت الهدنة بين نارين، كنا نكتب قصائد الحب والغزل، ونتعلق بما يعيننا على الضحك والحياة.

سبوتنيك: لماذا لم تفكري بالخروج من سوريا كما فعل الكثير من المبدعين حتى انتهاء الأزمة؟ 

أحب أن أرد على هذا السؤال كإنسانة سورية عادية، وليس بصفة كاتبة؛ لم تخطر في بالي أبدا فكرة مغادرة سوريا، وأجزم أنني أشبه بهذا كل السوريين المؤمنين بالبلاد الواثقين بعودتها، أمر الرحيل عن سوريا جريحة بالنسبة لي، يشبه ترك والدتكَ أو ابنتك المصابة بطلقٍ ناري ملقاةً تتعذبُ في أرض المعركة والهروب للنجاة بحياتك ، إنّ هذا سلوكٌ جبانٌ للغاية وفقاً لتربيتنا وأعرافنا.

سبوتنيك: هل يصبح الشعر سلاحا في زمن الحرب؟ 

الشعر ليس سلاحا، بقدر ما هو أسلوب نجاة من الحرب، محاولة للبقاء و التنفس وسط الدخان الخانق.
الشاعرة السورية عبير سليمان

سبوتنيك: البعض يقول أنه في وقت الحرب لا مجال إلا للسلاح فما رأيك؟

يوما ما كتبت: "في الحروب الأهلية أشجعُ البنادق هي تلك التي لا تغادرُ مخازنها" 
إن حمّى السلاح والدعوة للتصعيد جعلت مصائبنا أكثر فداحة. في وقت الحرب دوما هنالك مجال للتصالح والسلام والمغفرة، إذا كنا ننحاز لمصلحة الوطن ولا نتعصب لغرائزنا وغرورنا و قبلياتنا.

سبوتنيك: هل اختلفت ظروف كتاباتك للمجموعات الشعرية الثلاث؟ 

ظروف أول كتابين متشابهة بسبب صدورهما  في فترة الحرب، أما الثالث جاء محاولة  للابتعاد عن الوجع والدخان.

سبوتنيك: المبدع دائما محط الأنظار خاصة فيما يتعلق بمواقفه السياسية فهل تواجهين انتقادات وتأييد معا؟

بلى، تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب آرائي السياسية، وعرفت أن البعض طلب منع نشر قصائدي أو ذكر إسمي في صحف، ومواقع كثيرة وصفحات شعرية كانت رائجة خلال السنوات الماضية، خسرت صداقات المتطرفين من مثقفي الطرفين، وتعرضت لمعوّقات أثناء محاولة نشر كتابي الثاني، لكن هذا مألوف عموماً في ظل التباينات، والرؤية الضبابية لدى البعض، والأوقات العصيبة التي عشناها جميعا.
سبوتنيك: يتصور البعض أن الوضع في سوريا لا يسمح بإقامة ندوات أو أمسيات أو أية فعاليات ثقافية؟ 
لم تتوقف الحياة في سوريا أبدا، حتى المدن الجريحة سعت للتشبث بهويتها الثقافية وبمظاهر الحياة السورية التي كنا نعيشها قبل الحرب.

سبوتنيك: هل يتحمل الشعراء والكتاب مسؤولية انتشار الافكار المتطرفة والإرهابية جزئيا؟

إلى حد ما يتحملون المسؤولية، خصوصا عندما يغيب الدور التوعوي عن المؤسسات الرسمية، أو عندما تلعب بعض المؤسسات المشبوهة دورا كبيرا في التكريس للتطرف وفي تصنيع الإرهاب.
وما زاد الطين بلة في حالتنا السورية، قيام بعض المحسوبين على الثقافة والأدب بتضليل العامّة، عبر مناصرتهم للجماعات المتطرفة الإرهابية، المؤلّفة غالبا من الجهلة وأصحاب الفكر الظلامي، تلك المناصرة التي حاولوا تبريرها بحجج ثورية تحريرية كانت وبالا على الجميع.

سبوتنيك: برأيك كيف تنظرين لعملية تصنيف الكتابة والقول على بعضها كتابة نسوية؟

بعض الكتابات نسوية فعلا تنشغل فقط بهموم نسائية كُتب عنها مرارا لدرجة الملل، لكن من الظلم والجهل تعميم هذا التوصيف على كل ما تكتبه المرأة.

سبوتنيك: كيف أثرت السنوات السبع على المشهد الثقافي في سوريا؟ 

أعتقد أن المشهد الثقافي السوري بحاجة  لبذل جهود حقيقية لإعادة ترتيبه بما يليق باسم سوريا، خصوصا في وجود هذا العدد الكبير من المبدعين في شتى المجالات، وأعني بهم المبدعين البعيدين عن واجهة المشهد الرسمي لصالح أسماء استفادت من التجارة الثورية وأخرى استفادت من التجارة الوطنية خلال سنوات الحرب.

سبوتنيك: كيف هو حال المكتبات والمتاحف والمعابد في وسوريا؟ 

لحسن حظنا، نجت معظم المعالم الثقافية من براثن الحرب، ونأمل أن يُعاد ترميم ما تضرر منها في المرحلة القادمة.
غلاف ديوان "ونفخ في الناي" للشاعرة السورية عبير سليمان
سبوتنيك: ما هي أوجه المعاناة التي تواجه الكتاب في الداخل السوري حاليا وكذلك من اضطروا للرحيل؟
كتّاب الداخل يعانون من تحكم بعض الجهات بحرية الكلمة، وبقرار النشر، ومن محاولة  بعض المؤسسات لعب دور الوصاية على أعمالهم الابداعية، وهذا يدفعنا أحيانا للنشر في الخارج كي نظل في منأى عن كل هذه العقبات.

سبوتنيك: ما هي مجموعتك الرابعة التي تسعين لإصدارها؟

لم أرتب بعد أوراق المجموعة الرابعة لكنني أريدها معافاة من جراح المعارك.
سبوتنيك: هل يعول الكتاب السوريين على مساندة الكتاب العرب في الفترة المقبلة؟ 
بكل أمانة وشفافية، لولا مساندة الكتاب العرب لنا في محنتنا ومحاولتهم الإضاءة على قصائدنا ومؤلفاتنا في صحفهم ومناسباتهم الثقافية، لبقي الكثير من الابداع السوري المهم سجين صفحات التواصل الابداعي في أحسن الأحوال.
سبوتنيك: هل تسعين لكتابة الرواية خاصة في ظل الظروف التي فاقت كل خيال؟
راودتني الفكرة منذ سنوات طويلة، مع بداية الحرب ، لكن كل حدث جديد يضاف لأزمتنا ومأساتنا و كل تفصيل أسمع به يجعل مسؤولية الكتابة عمّا مررنا به أصعب وأكبر.
أحيانا يخطر في بالي أنه ينبغي علي أن أزور كل مدن سوريا  الجريحة، وأكلم الناس في كل مكان، قبل كتابة حرف في رواية تحكي معاناتهم بصدق ومحبة.

أجرى الحوار محمد حميدة
مناقشة