بعد أن حررها السوريون والروس... عودة السياحة إلى تدمر مرهونة بإعادة الإعمار

تعتبر مدينة تدمر العريقة من أبرز المعالم التاريخية في الحضارة الإنسانية، التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وهي من أبرز وأقدم المدن التاريخية في الشرق الأوسط.
Sputnik

تدمر — سبوتنيك. خلال الأزمة السورية، تعرضت هذه المدينة التاريخية لعدة هجمات من قبل التنظيمات الإرهابية، في حين تشهد حاليا استقرارا على ضوء هزيمة التنظيمات الإرهابية، وتستقبل الزوار السوريين والأجانب، إلا أن عودة السياحة إلى هذه المدينة العريقة والشهيرة مرهونة بعودة الاستقرار إلى كافة المناطق السورية وتدفق الاستثمارات إلى تدمر، وإعمارها.

خالد الأسعد... "حارس تدمر" الأمين الذي قتله عشقه لـ"الأصنام"

تستقبل زوار مدينة تدمر الآن مناظر حزينة، في المدينة التي كانت في السابق قبلة السياح من المواطنين السوريين والعرب والأجانب. وعند دخول المدينة القديمة تستقبل نقطة تفتيش الزوار، بلافتة تتوسطها صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصورة رئيس الجمهورية العربية السورية بشار الأسد، ومن ثم الرئيس الإيراني حسن روحاني، والأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله.

وتلاحظ على جانب الطريق أن البراميل المليئة بالرمال تقطع طريق السيارات. بينما تلاحظ من جانب آخر عبارات كتبت باللغتين العربية والروسية، تملأ الجدار مثل "نحن صامدون " (باللغة العربية)، "يجب أن نبقى واقفين (باللغة الروسية).

وقال أحد الجنود السوريين، الذين رافقوا وفد الإعلاميين خلال زيارتهم التعريفية لتدمر، رفض الكشف عن اسمه، أن "عدد السكان في تدمر قليل الآن"، مضيفا " بدأ السكان يعودون تدريجيا". كما لفت الجندي، الذي بدأ خدمته العسكرية في عمر 16 عاما، إلى أنه "لا توجد كهرباء في مدينة تدمر إلا في منطقة مستشفى تدمر".

تدمر السورية تستعد لاستقبال السياح صيف 2019
هذا وكانت مدينة تدمر القديمة قد تعرضت نتيجة الأعمال الوحشية لتنظيم "داعش" الإرهابي (المحظور في روسيا ودول أخرى) لأضرار كبيرة من معبد بل إلى قوس النصر ومعبد بعل شمين ومسرح تدمر.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم "يونيسكو"، بالإضافة لروسيا وبولندا وإيطاليا ودول أخرى، قد أعربوا عن استعدادهم لتقديم المساعدة في ترميم الآثار المدمرة في المدينة الأثرية، إلا أن مستشار المدير العام لمنظمة اليونيسكو، هنريكاس الغيراس زيغمو يوشكيافيتشوس، أعلن أن المنظمة تعيش أوقاتا صعبة بعد انسحاب الولايات المتحدة منها، مشيرا إلى نقص في التمويل.

وكان مدير متحف تدمر الحالي، محمد الأسعد، قد صرح بأن منظمة اليونسكو لم تف بوعودها في المساعدة بإعادة بناء مدينة تدمر التي تضررت جراء القتال، مشيرا إلى صعوبة تقدير الأضرار التي لحقت بالمدينة الأثرية، ومقدرا بأنه إذا تم تقديم المساعدة من المجتمع الدولي، فإن عملية إعادة الإعمار قد تستغرق 5 سنوات على الأقل، في حين يصعب تقدير المدة الزمنية اللازمة في حال تم الاعتماد على الجهود الذاتية السورية فقط.

وحسب تصريحات أحد سكان سوريا، الذي زار هذه المناطق في عام 2007، كانت المدينة القديمة، التي تقع في طريق الحرير الشهير، "من أفضل وأروع الآثار في العالم".

وكانت تدمر قبل الأزمة في سوريا تستقبل حوالي 40 — 50 حافلة من سياح سوريين وأجانب يوميا.

وشملت الرحلة، التي نظمتها وزارة السياحة السورية لإعلاميين من روسيا وكازاخستان، حمص وقلعة الحصن وحلب وتدمر.

وقامت الحكومة السورية بنقل كل القطع الأثرية التاريخية من متحف تدمر إلى دمشق قبل بدء الأحداث هنا، عندما رأت بوادر أولى للأزمة في هذه المنطقة الصحراوية.

وفي سياق متصل، قال جندي سوري آخر، رفض الكشف عن اسمه، والذي يتمركز في حرم معبد بل في حوار مع "سبوتنيك" ردا على سؤال حول توفير الأمن في المنطقة، أن عدد الجنود المتواجدين الآن في مدينة تدمر ومعبد بل "كافي" لضمان الأمن والاستقرار.

كما أضاف هذا الجندي بأن "الجنود يتمركزون هنا ليلا ونهارا لضمان الأمن."

وردا على سؤال حول ما إذا كان الزوار يأتون حاليا، إلى تدمر من سوريا ودول أخرى، قال الجندي: " نعم، يوجد، لكن عددهم قليل، غالبيتهم سوريون".

كما قال الجندي، إن المسلحين من تنظيم "داعش" الإرهابي، الذي كانوا يتمركزون في تدمر تم نقلهم بعد التحرير الثاني إلى مناطق حدودية مع العراق، إلى منطقة تبعد من هنا حوالي 70 كيلومترا، مضيفا "هم حتى الآن هناك، والقوات السورية بالتعاون مع الجيش الروسي يسيطرون عليهم عسكريا".

أما مسرح تدمر، فلم يتأثر من هجوم تنظيم "داعش" الأول ، لكن في الهجوم الثاني دمرت أجزاء كثيرة منه.

الدفاع الروسية: الجيش السوري والطيران الروسي يمنعان تقدم مسلحين من التنف إلى تدمر
وتذكر اليوم بالأحداث المرعبة، التي حدثت هنا، صورة خالد الأسعد، مدير متحف تدمر، الذي قتل على يد مسلحي "داعش" الإرهابي، بسبب رفض الكشف عن أسرار المدينة. وصورته اليوم مرسومة على باب المتحف الحديدي، كرمز للصمود والشجاعة.

وتعتبر تدمر، التي تقع على بعد 243 كيلومترا من دمشق و 150 كيلومترا من حمص شرقا، مدينة فريدة من نوعها، حيث مرت عقود وقرون عديدة غيرها بدون أن تتأثر المدينة بالحروب السابقة.

وشهدت المدينة التاريخية، المسجلة ضمن " قائمة التراث العالمي" لدى منظمة اليونيسكو، تدمير الكثير من معالمها وآثارها التاريخية العريقة، بعد سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي عليها، منذ أيار/ مايو 2015، إلى أن تم تحريرها من قبضة التنظيم، يوم 27 آذار/ مارس 2016، بمساندة ودعم القوات الجوية الروسية، وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر عام 2016 تمكن مسلحو "داعش" من استعادة السيطرة على المدينة، ولكن الجيش السوري تمكن من تحريرها من جديد بداية آذار/ مارس 2017، ونفذ المهندسون الروس أعمال إزالة الألغام في المدينة.

يعود أقدم ذكر لتدمر باسمها الحالي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، ولا يعرف لهذا الاسم معنى مؤكد. على أنه من المنطقي والمقبول أن يكون اسمها قد اشتق من "دَمَر"، التي تعني "حَمَى"، في اللهجات الآرامية، وقد تمت تسميتها باللغات الإغريقية واللاتينية واللغات التي تطورت عنهما اسم "بالميرا" المشتق من اسم شجرة النخيل.

وقد وجد الباحثون شواهد من العصر الحجري الحديث في الأكمات المجاورة للنبع والواحة، وهي ترقى للألف السابع قبل الميلاد. وثمة شواهد من أزمنة أكثر حداثة في التل الأثري الذي يقوم عليه معبد بل.

وأدت أعمال التنقيب في التل المذكور إلى اكتشاف فخار سوري من أواخر العصر المعروف باسم البرونز القديم في حدود 2200 إلى 2100 قبل الميلاد.

1 / 4
تدمر، سوريا
2 / 4
تدمر، سوريا
3 / 4
تدمر، سوريا
4 / 4
تدمر، سوريا

لكن أقدم نصوص تذكر تدمر باسمها الحالي وجدت في مستعمرة كانيش الآشورية (كولتبة) بمقاطعة كبادوكية في الأناضول. وهي من مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وتليها نصوص عثر عليها في مدينة ماري (تل الحريري على الفرات) تعود للقرن التاسع عشر قبل الميلاد، وأخرى من إيمار (مسكنة على الفرات) من القرن الرابع عشر قبل الميلاد. كما ذكرت تدمر باسمها الحالي أيضا في حوليات الملك الآشوري تغلات بيلاصّر، الذي عاش في القرن الحادي عشر قبل الميلاد (1112-1074 ق.م).

مناقشة