مجتمع

"الأخبار المزيفة"… جانب مظلم في طريق صاحبة الجلالة

يقف أمام جمعٍ من الصحفيين؛ يُعطي دروسا في المهنية ومحاضرات في توثيق المعلومات. وعلى الجانب الآخر، يجلس على مكتب واحدة من أعرق المجلات الصحفية ليكتب قصصا خبرية تثير الإعجاب والجدل معا.
Sputnik

خطين دراميين رسم بهما المؤلف الأمريكي هاري جيرارد حال الصحفي ستيفن غلاس خلال عمله في مجلة "ذا نيو ريببلك" (The New Republic) الأمريكية، في فيلم "زجاج محطم" (Shattered Glass)، مستعرضا الجانب المُظلم للعمل الصحفي الذي يشكل جزءا من الثقافة الجمعية للشعب الأمريكي حول الأخبار المزيفة.

يسرد الفيلـم قصة صعود ستيفن غلاس سـلم الشهرة الصحيفة فـي الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك يحكي تفاصيل سقوطه المدوي الـذي قضى على مسيرته الصحفية وأنهاها بفضيحة أكثر غرابة من قصة صعوده.

"اختراق الجنة".. الطريق السريع إلى الهاوية

كانت ثلاث سنوات كافية لصحفي شاب صاعد أن يذيع صيته ويرتفع نجمه بين أقرانه في الوسط الصحفي، لكنها كانت —في المقابل- كافية أيضا لسقوط مدو، ينهي حياته المهنية.

إذ كتب غلاس قصة صحفية نشرها تحت عنوان "اخترق الجنة" (Heaven Hack)، مستندا في قصته على تفاصيل وبيانات (أسـماء ومواقـع وتواريخ) حول اتفاق بين قرصان شاب وإحدى شركات التكنولوجيا بعد اختراق أنظمتها الإلكترونية.

لاحقا، اتضح زيف البيانات والتفاصيل، وأنه ليس لها أساس من الصحة إلا في خيال كاتبها.

كانت المتابعة الصحفية بداية النهاية، عندما حاول الصحفـي فـي مجلة "فوربـس" الأمريكية آدم بيننبـرغ تتبع القصة، محاولا التواصل مع وكيـل أعمـال القرصـان الـذي ذكـره غـلاس فـي مقاله "اختـرق الجنـة"، ولم ينجح في ذلك، فحاول الاتصال بغلاس، ثم مدير تحرير المجلة.

لتبدأ عملية التحقيق في صحة المقالة، التي انتهت باعتراف غلاس بتزويرها، ثم يبدأ فريق العمل في المجلة تحقيقا شاملا في جميع قصص غلاس، ليكشف الفريق أن معظم ما كتبه غلاس على مدار عامين ونصف العام كان مزيفا كله أو بعضا منه، ويصبح غلاس صانعا لـ"أكبـر فضيحة تزوير في التاريخ الحديث للصحافة".

تتعدد الدوافع والأشكال.. والأخبار "مزيفة"

وفقا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد، تلقت مواقع إخبارية مزيفة نحو 159 مليون زيارة خلال شهر يونيو/حزيران من عام 2016.

ولم يكن "الزجاج المحطم" سوى شكل واحد من أشكال التزييف والتلاعب بالحقائق في عالم الصحافة، فللأخبار المزيفة أشكالا متعددة، وتأتي من مصادر ودوافع مختلفة، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

يشمل ذلك —على سبيل المثال لا الحصر:

  • محتوى مثير يُحرٍّك تجاريا قصصا غير مدفوعة أيديولوجيا، وفي الغالب لا يكون لها أي أساس في الواقع. وهدفها الرئيس هو قيادة حركة الانتشار على شبكة الإنترنت، ونتيجة لذلك، تحقق أرباحا من الإعلانات. ويندرج ضمن هذه الفئة المواقع ذات النوافذ المنبثقة.
  • مواقع تبث معلومات خاطئة ترعاها دولة ما، ويكون الهدف في هذه الحالة ليس العائدات، بل النفوذ والتأثير.
  • مواقع إخبارية ذات توجهات عالية الحزبية، حيث يجري الخلط بين الحقيقة والرأي، وتكون هذه المواقع —دائما- داعمة لوجهة نظر سياسية واحدة أو لحزب واحد، وغالبا ما تضع —هذه المواقع- أنفسها كبدائل لوسائل الإعلام السائدة.
  • الشبكات الاجتماعية، حيث أسراب من الحسابات الوهمية تقوم بنشر صور وأخبار مضللة بشكل مكثف.
  •  المواقع الساخرة التي تحاكي طريقة عرض الأخبار الحقيقية، وقد بدأت هذه المواقع في الانتشار مؤخرا، مثل موقع The Onion الأمريكي وموقع Daily Mash، وقد وصلت أيضا إلى الدول العربية.
  •  قصص إخبارية من وسائل الإعلام السائدة التي تحتوي —بحسن نية- أخطاء أو بعض الخدع أحيانا.

تجعل هذه التعريفات والدوافع المختلفة من الصعب للغاية مواجهة الأخبار المزيفة بشكل فعال، تضيف الغارديان.

عائدا من تحت الحطام: كنت أكره نفسي

يعود ستيفن غلاس للظهور في أثناء عرض الفيلم الذي يحكي قصته، وذلك عبر مقابلة أجرتها معه شبكة "CNN" الأمريكية عـام 2003.

يقول غلاس عن الفيلم: "لقد أرعبني، إنه فيلم الرعب الخاص بي"، مضيفا "لم أتمكن من مشـاهدة معظـم لقطاته".

وفـي جوابه عن سؤال المذيعة عن السبب الذي دفعه للقيام بذلك، يقول غلاس: "جزء من الأشياء التي لم يقدمها الفيلم هو لماذا فعلت ذلك، والآن أكتب رواية تناقش لماذا قد يُقدم صحفي على فعل هذا الأمر".

يضيف غلاس:

أحد الأشياء التي دفعتني لذلك؛ كسب حب واحترام من حولي، لكني كنت أكره نفسي عند القيام به، وبعد ذلك أشعر أني أريد القيام بذلك مجددا، ومجددا. 

وتعليقا على موقف الصحيفة من نشر هذه الأخبار، يقول الناقد رجل إيبرت في مراجعته للفيلم: "كانوا يدققون فـي الأشجار لا في الغابة كلها، ولم يخطر لهم علـى بال أن قصة كاملة قـد تكون مختلقـة مـن الألف إلى الياء".

وانطلاقا من الخطورة التي تشكلها الأخبار المزيفة، تجري شركات التكنولوجيا العملاقة محاولات للقضاء عليها؛ إذ تقوم شركة غوغل حاليا بمنع إعلاناتها عن المواقع ذات النوافذ المنبثقة، كما أعلنت منذ يومين إطلاق محرك بحث للتحقق من الأخبار المزيفة.

وبدأت فيسبوك أيضا شراكة مع عدد من المنصات الإعلامية في عدد من الدول لإصدار تحديثا جديدا لمحاربة الأخبار المزيفة عبر منصتها، فضلا عن محاولات أخرى للتصدي لانتشار الأخبار المزيفة تعمل عليها كبرى شركات التكنولوجيا.

ومع كل تلك المحاولات، لا يمكن الجزم بامكانية القضاء على الأخبار المزيفة بالكامل، لكن ستبقى الحقيقة كما تقول الفيلسوفة الأمريكية حنة آرنت في مقال بعنوان "الحقيقة والسياسة" (Truth and Politics):

من الناحية النظرية، ربما نُسمِّي ما لا يُمكننا تغيِيره بالحقيقة، لكن بصورة مجازية، إنّها الأرض التي تُقلنا والسماء التي تُظلنا.

مناقشة