أسبوع على اختفاء خاشقجي... لغز معقد لا يزال يحيط بصحفي طالما انتقد المملكة

"لست في المنفى، أرجوكم لا تستخدموا هذا الوصف المؤلم لكل مغترب، إنما هي سفرة عابرة وأعود لوطني، فلا شيء يعدله بين كل بلاد الأرض"... هكذا علّق الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي على أنباء طرده من بلده عام 2017، وإقامته في بلاد العم سام ككاتب عمود رئيسي في صحيفة "واشنطن بوست"، التي طالما انتقد عبر صفحاتها المملكة والإدارة الأمريكية.
Sputnik

أول رد فعل لأردوغان على اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي
القاهرة — سبوتنيك. لم يعرف خاشقجي أن خطواته نحو بوابة القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية، صباح الثلاثاء الماضي، ستكون آخر مكان معروف عنه، فلم يسمع صوته ولم يكتب قلمه حرفا منذ ذلك التاريخ، ليصبح مصيره مجهولاً، بعد سنوات طويلة قضاها تحت الأضواء، تارة كصحفي سعودي مرموق ومقرب من الديوان الملكي، وتارة كمنفي باختياره في واشنطن قبل نحو عام.

ولد خاشقجي، ذو الـ59 ربيعا، في المدينة المنورة بالمملكة، وعلى مدار سنوات عمل فيها صحفيا، أجرى مقابلات مع شخصيات معروفة وشديدة الحساسية كزعيم تنظيم "القاعدة" (الإرهابي المحظور في روسيا) أسامة بن لادن، وترأس تحرير صحف كـ"الوطن" السعودية، و"عرب نيوز"، "أوائل الألفية"، بينما كان عنوانه الأبرز هو عمله كمستشار لرئيس المخابرات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل.

تواجه المملكة العربية السعودية اتهامات بين القتل والإخفاء القسري، بينما لا يزال مواطنها خاشقجي مختفيا، كلغز جديد قد يغرق فيه العالم لفترة مقبلة.

بدأت قضة الاختفاء الغامضة، بعدما أبلغت خطيبة خاشقجي وسائل الإعلام بأنه لم يخرج من القنصلية السعودية بإسطنبول صباح يوم الثلاثاء الماضي في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، والتي دخلها لتوثيق طلاقه من زوجته السعودية، حتى يتسنى له الزواج بأخرى، وفقا للقوانين التركية.

الرد السعودي جاء بعد ساعات بالقول إن خاشقجي زار القنصلية لإنهاء أوراق طلاقه، وخرج بعد فترة قصيرة، نافياً الأنباء التي تحدثت عن احتجازه.

خطيبة الصحفي السعودي جمال خاشقجي وصديقتها تنتظران خارج قنصلية المملكة العربية السعودية في إسطنبول

تركيا والتي تشوب علاقتها بالمملكة بعض البرودة، لم تتأخر في رد فعلها، إذ علق المتحدث باسم الرئيس التركي إبراهيم كالين بالقول إن سلطاتها تتابع قضية اختفاء الصحفي السعودي، وإنها على اتصال بمسؤولين سعوديين، كما استدعت الخارجية التركية، بعد مرور 48 ساعة على اختفاء خاشقجي، السفير السعودي لدى أنقرة وليد عبد الكريم الخريجي، للاستفسار حول مصير مواطنه خاشقجي.

وبحسب وسائل الإعلام التركية، أبلغ الخريجي السلطات التركية بأن بلاده ليست لديها معلومات عن خاشقجي، وأن سفارتها في أنقرة تتابع أمر اختفائه، في الوقت الذي أصرت فيه خطيبة خاشقجي على أنه لم يخرج من القنصلية منذ دخلها يوم الثلاثاء.

وتزامنت الأحداث مع مقابلة أجرتها وكالة "بلومبيرغ" مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان آل سعود في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول أعرب فيها عن استعداد بلاده السماح لتركيا بتفتيش قنصليتها في إسطنبول، للتأكد من عدم وجود خاشقجي بداخلها، قائلا "ليس لدينا ما نخفيه.. المنشآت (الدبلوماسية) أرض ذات سيادة لكننا سنسمح لهم بتفتيشها".

وفي اليوم التالي أعلنت السلطات التركية فتح تحقيق في قضية اختفاء خاشقجي، تبعها في ذات اليوم، تصريحات مصادر في الشرطة التركية لوكالة "رويترز"، رجحت مقتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، "نعتقد أن القتل متعمد، وأن الجثمان نقل إلى خارج القنصلية".

ونفت المملكة هذه الاتهامات والأنباء، وقال مصدر مسؤول في القنصلية السعودية بإسطنبول في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس" صباح السبت مشككاً بأن تكون "التصريحات صادرة من مسؤولين أتراك مطلعين أو مخول لهم التصريح عن الموضوع"، كاشفاً عن وصول فريق أمني سعودي للتحقيق بمصير المواطن السعودي جمال خاشقجي.

ولإثبات عدم وجود خاشقجي في القنصلية، سمح القنصل السعودي العام في إسطنبول محمد العتيبي لمراسل "رويترز" بالتجوال في أركان القنصلية للتأكد من خلوها من أي محتجزين.

القنصل العام للمملكة العربية السعودية محمد العتيبي يقود جولة داخل القنصلية السعودية في إسطنبول

وأكدت تركيا في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أن خاشقجي لم يغادر القنصلية السعودية بطريقة طبيعية، وقال مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي "السلطات التركية تعتقد أن مجموعة من 15 سعوديا ضالعة على نحو شبه مؤكد في الأمر"، متابعا "حديث مسؤولين سعوديين عن عدم وجود تسجيلات للكاميرات لم يكن صادقا".

وأكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّه يتابع القضية بشكل مباشر، قائلا "من المؤسف وقوع هذا الحادث في بلدنا"، فيما طلبت أنقرة بشكل رسمي، أمس الإثنين، تفتيش القنصلية السعودية في إسطنبول.

وفي الوقت الذي تتخبط فيه الأنباء عن خاشقجي، أكدت صحيفته "واشنطن بوست" في افتتاحيتها، أمس الإثنين، أن الأدلة حول اختفاء كاتبها خاشقجي موجودة، ويجب إعلانها، مشددة "السفير السعودي في واشنطن قال إن كاميرات المراقبة في قنصلية بلاده في إسطنبول لم تسجل شيئا… لكن هناك كاميرات المراقبة التركية".

متظاهر يحمل صورة للصحفي السعودي جمال خاشقجي أثناء احتجاج أمام القنصلية السعودية في إسطنبول

ونقلت الصحيفة عن مصدر تركي تأكيده "هناك صور لخاشقجي أثناء مغادرته قنصلية بلاده في إسطنبول يوم 28 سبتمبر/ أيلول، لكن لا يوجد شيء يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول".

وشددت الصحيفة "يقيم خاشقجي منذ عام في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يعطي أرضية لإدارة ترامب كي تطالب باستجلاء معلومات وإجابات وأدلة ذات صلة من السلطات السعودية والتركية"، وتابعت "إذا صح مقتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول فإن ذلك يستدعي إعادة النظر الشاملة في العلاقات مع النظام السعودي، وزعيمه الفعلي محمد بن سلمان، ومن الأفضل أن يظهر ذلك قريبا جدا وليس فيما بعد".

وعبّرت الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبية عن قلقها إزاء اختفائه، وأكدت واشنطن أنها تسعى للحصول على معلومات بشأنه، بينما حثّ المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك قادة وزعماء العالم على تعزيز حرية الصحافة، وحماية الصحفيين.

كان خاشقجي الذي بدأ حياته المهنية قبل ثلاثة عقود تقريبا كمراسل لصحيفة "سعودي غازيت"، معروفا بولائه الشديد لبلاده، وكذلك آرائه وانتقاداته، ليس فقط لمسؤولي بلاده، بل أيضا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

في أحد مقالاته في سبتمبر/ أيلول 2017، وعبر الصحيفة الأمريكية ذائعة الصيت، قال خاشقجي "عندما أتحدث عن الخوف، والترهيب، والاعتقال، والإساءة لسمعة رجال الدين، ثم أقول لك إنني سعودي… هل تفاجأت"، متابعا "لم تكن السعودية دائما بهذا القمع… لكن الآن أصبح ذلك لا يطاق".

وأضاف خاشقجي "عندما جاء ولي العهد الصغير محمد بن سلمان للسلطة وعد بإصلاحات اجتماعية واقتصادية، كان يتحدث عن جعل بلادنا واعدة، وأكثر تسامحا… لكن الآن كل ما أراه هو الاعتقالات".

ولطالما حظي خاشقجي شخصيا بانتقاد الكثيرين، إلى الحد الذي كان ينال فيه سبابا عبر حسابه الشخصي على "تويتر"، بالإضافة إلى تنحيته ومنعه من الكتابة في صحف سعودية كانت قد اعتادت صفحاتها على استضافة مقالاته، كصحيفة "الحياة اللندنية"، و"الوطن" السعودية، وغيرها، بينما أصدرت الخارجية السعودية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 بيانا جديدا خصص عن خاشقجي نشرته "واس" جاء فيه "أكد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية على ما سبق وأن أعلنته وزارة الخارجية حول الكاتب جمال خاشقجي بتاريخ (20 كانون الأول/ ديسمبر 2015م)… والكاتب لا يمثل الدولة بأي صفة، وما يعبر عنه من آراء تعد شخصية ولا تمثل مواقف حكومة المملكة العربية السعودية بأي شكل من الأشكال".

مسؤولون سعوديون يغادرون مقر قنصلية بلادهم بإسطنبول

وأمس الإثنين، طالب أردوغان السعودية بإثبات خروج مواطنها خاشقجي من القنصلية في إسطنبول، وقال "لا يمكن أن يتملص المسؤولون السعوديون من المسؤولية من خلال القول بأنه خرج من القنصلية"، مؤكدا "متابعة هذه القضية واجب إنساني".

وبعد أسبوع من اختفاء خاشقجي، تبدو أن هذه القصة مرجحة لأن تتحول إلى أزمة حقيقية بين تركيا والسعودية وبين الولايات المتّحدة وغيرها من الدول الغربية والسعودية، هذا طبعا إن لم يكشف عن مصير الصحفي السعودي المعارض أو في الحال الأسوأ تبين أنّه تمّت تصفيته.

مناقشة