لماذا تعتبر دمشق فعلا أرخص عواصم العالم للعيش

صنف موقع "إكونوميست إنتيليجينس يونيت" (The EIU) العاصمة السورية دمشق بأنها أرخص عاصمة للعيش، هذا العام، ويفصلها فارق قليل عن العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وفق التقرير الذي نشره الموقع.
Sputnik

أكد عدد من الخبراء والباحثين السوريين لوكالة "سبوتنيك" منطقية التقرير الذي يفيد بأن دمشق تعتبر من أرخص عواصم العالم بتكاليف المعيشة، ولكنهم شددوا على أنها الأرخص بالمؤشر العالمي وليس بالنسبة لدخل الفرد السوري الذي ينخفض مستوى دخله لحدود أقل من مستوى الأسعار العامة في سوريا.

الحكومة السورية تسعى لخلق بيئة لعودة الشباب المهاجر
تتصف سوريا بتنوع مواردها الزراعية والحيوانية والطبيعية والصناعية وكذلك البشرية، وهذا ما يؤدي إلى توافر مختلف المنتجات في السوق السورية وبأسعار منافسة مقارنة بدول الجوار.

يضاف إلى ذلك أن الحكومة السورية ومنذ عشرات السنين وحتى بعد اندلاع الحرب السورية تقوم بدعم مواد الطاقة والكهرباء بمليارات الليرات سنويا، وبالتالي فإن أسعارها أيضا أقل نسبيا من دول الجوار وحتى العالم، وهذا أيضا ينعكس على انخفاض السعر النسبي لتكاليف المعيشة من غذاء ولباس ومواصلات في المدن السورية مقارنة مع العالم الخارجي، كما يعتبر سعر الخبز في سوريا، من أرخص أسعار الخبز في العالم مع جودة عالية ووفرة بالإنتاج.

كما ساهم انخفاض قيمة الليرة السورية بانخفاض السعر النسبي للخدمات والبضائع المقدمة في سوريا بالنسبة للسائح أو لأي شخص يحصل على دخله بالعملة الأجنية.

وفي هذا الصدد قال الدكتور شادي أحمد لوكالة "سبوتنيك":

إن "اختيار أي بلد أو مدينة في العالم على اعتبارها الأرخص أو الأغلى من ناحية المعيشة يعود إلى عدة مؤشرات ومعايير، منها متوسط تكليفة المعيشة في هذا البلد، يضاف إلى ذلك عوامل المعيشة والخدمات المقدمة من قبل القطاع الحكومي، إضافة إلى عدد من الاعتبارات والميزات الأخرى".

وأضاف الدكتور أحمد: "تأتي الدراسة هنا على تكاليف المعيشة، والتي توزع دراستها على 20 مادة أساسية، وأكثر من 25 مادة تعتبر في الصف الثاني من المواد والخدمات التي يحتاجها المواطن، ثم يأتي عدد من المواد الكمالية أو الرفاهية".

وقال الخبير السوري "إن اختيار دمشق أرخص مدينة في العالم يعود إلى عدة مؤشرات، وعلى الرغم من الحرب التي أدت إلى انخفاض مستوى معيشة المواطن، وعلى الرغم أيضا أن انخفاض قيمة الليرة السورية خلال سنوات الحرب كان حادا جدا وصل لأكثر من 10 أضعاف، إلا أن هذا الأمر جعل الفارق بين سعر صرف الدولار في الأسواق السورية وما بين الخدمات والبضائع المقدمة بالليرة السورية، أدى هذا الأمر إلى أن أي شخص لديه دخل بالدولار، حتى لو كان بالحدود الدنيا، فإنه يمكن أن يتمتع بقدر جيد من المعيشة والخدمات في سوريا".

بين كسر الحصار وانخفاض الدخل... تداعيات مكافحة التهريب في سوريا
وأعطى الدكتور أحمد مثالا: إن 5000 دولار كدخل في الشهر الواحد في بيروت، يمكن أن تفتح بها مشروع في سوريا، وهذا يدل على أن الاقتصاد السوري استطاع أن يقوم بإجراءات تكيف ضمن هذه الحرب ساهمت بعدم انهيار الليرة السورية، كما أن ارتفاع سعر الصرف لم يرافقه ارتفاع كامل لكافة أسعار السلع بشكل مواز في السوق السورية (أي بعشرة أضعاف كما ارتفع الدولار)، وهذا الفرق بين متوسط ارتفاع أسعار السلع والخدمات ومتوسط ارتفاع أسعار صرف الدولار هو ما يساهم في اختيار دمشق كأرخص مدينة في العالم.

وختم الدكتور أحمد: بالرغم من هذه المؤشرات، إلا أن ناك حلقة ناقصة وهي أنه بالرغم من أن المؤشر يشير إلى أرخص بلد في العالم، إلا أن متوسط دخل الفرد السوري لا يسمح بمستوى معيشة جيد، وهنا يجب الربط بين مستوى الدخل وبين مستوى الأسعار من أجل تحقيق مستوى معيشة مقبول.

من جهته أكد الدكتور سنان ديب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية فكرة أن دمشق من أرخص مدن العالم، وقال لوكالة سبوتنيك: "طبعا وفق الأسعار العالمية و مقارنة بالبلدان المحيطة و بأسعارها ورغم التضخم الكبير والخسائر الخيالية الناجمة عن الحرب ما زالت سوريا من أرخص دول العالم ولكن مستوى الدخل كذلك يعد الأقل بعد الأزمة وهذا الموضوع جاذب للسياحة الخارجية ولكن الفجوة بين مستوى الأسعار ومتوسط الدخل كبير جدا لحدود خيالية وهذا ما يجعل أغلب الشعب على خطوط الفقر و أدى لغياب شبه كامل للطبقة الوسطى والتي هي أساس التوازن والعودة الصحيحة والإنطلاقة و من دون إعادة التوازن لها ستبقى الإجراءات قاصرة.

وأضاف ديب: "ولذلك يجب العمل على ردم الفجوة المركبة وفق خيارات محدودة للحكومة فالتضخم جزء منه مفتعل عبر سعر الصرف وجزء لقلة العرض من تداعيات الازمة. فالتضخم المفتعل مع محدودية القوة الشرائية للتحكم بالطلب لضرورات تأمين الضروريات. وبهكذا ظروف يجب أن تكون الحكومة ومؤسسات الدولة هي القائد التنموي وفق قرارات استثنائية تناسب ما بعد الأزمة. فأغلب السياسات خلال الأزمة يجب أن يعاد النظر بها. فلكل مرحلة سياساتها.. ضبط الإنفاق وترشيده والتوجه نحو البدائل المحلية ومنع الاحتكار و التدخل الإيجابي للمؤسسات الحكومية والتدخل بالأسعار كأسعار تأشيرية لا يمكن للسوق أن ينظم نفسه إلا في ظروف صحية وكذلك تحسين سعر الصرف والذي هو لم يكن صورة للحاجة أو تطورات السوق وإنما يفرض فرضا.

وختم الدكتور ديب "إن المؤشرات للتحسن الاقتصادي بدأت بتوقع موسم زراعي وفير و أسعار رخيصة وعودة الأمان سيعيدوا الروح للسياحة الخارجية وكذلك تشجيع أهالي البلد وبالتالي سيكون زيادة في ما يدخل من العملات الصعبة…القادم أحسن ولكن يجب تغيير العقلية الاقتصادية بما يناسب الواقع.

للمرة الأولى... الحكومة السورية تكشف عن قروض تصل إلى مليار ليرة
من ناحيته قال أستاذ الاقتصاد المالي والنقدي في كلية الأقتصاد بجامعة تشرين الأستاذ الدكتور سمير شرف لوكالة سبوتنيك أن "دمشق ما قبل الأزمة غير دمشق حاليأ، فقبل الأزمة كان هناك ضبط للأسعار من خلال ضبط قوى العرض، أما الآن تحدد سوقيأ وعلى أساس سعر الصرف الجاري والرقابة على الأسعار صورية".

وتابع الدكتور شرف: "بالنسبة للسائح أو الوافد إلى سوريا ومتوسط دخله مرتفع في بلده هذا يعني بالمقارنة أن تكون الأسعار في دمشق منخفضة بالقياس إلى بلدان الجوار أو بلدان أخرى متوسط دخل الفرد أعلى بكثير، أما بالنسبة للمواطن السوري الأسعار مرتفعة جدأ والسبب عدم التوازن بين قوى العرض من السلع والخدمات المرتفعة الثمن وقوى الطلب ذات الدخل المنخفض وبالتالي قوتها الشرائية منخفضة".

وقال إياد محمد رئيس القطاع الزراعي في اتحاد المصدرين لوكالة سبوتنيك "السبب في هذا التصنيف هو فارق سعر الصرف من جهة، وأن المواد الزراعية إنتاج محلي، وكل المواد من إنتاج محلي هي مواد منخفضة السعر عندما تقارن بسعر الدولار،  والسبب الرئيسي هو انخفاض القوة الشرائية وبالتالي السلع المحلية تكون متوافقة مع القوة الشرائية، مضيفا: "أرضنا أرض بركة وخير وسوريا تعتبر سلة غذاء لدول المنطقة، وفيها الكثير من الفوائض بالإنتاج وخاصة الزراعي".    

وأشار الباحث والخبير في شؤون القطاع العام الإداري والاقتصادي عبد الرحمن تيشوري لوكالة "سبوتنيك" أنه "فعلا الأسعار والمعيشة في دمشق رخيصة، لكنها رخيصة لمن يقبض بالدولار أو اليورو وليس لمن يقبض بالليرة السورية حيث أعلى راتب 50 ألف وكلفة معيشة الأسرة 300 ألف ليرة لا بد من زيادة الأجور الإسمية والحقيقية أي رفع القوة الشرائية للمواطن".

أما بالنسبة لمتوسط تكاليف معيشة الأسرة في سوريا، أشارت تقارير سورية في وقت سابق إلى أن تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أشخاص في الربع الأول من عام 2017 بلغت أكثر من 230 ألف ليرة شهرياً، أي: حوالي 7 أضعاف متوسط دخل الفرد الواحد البالغ 33 ألف ليرة، وإذا اعتبرنا وجود معيلين في الأسرة الواحدة فإن تكاليف معيشة الأسرة تعادل أربعة أو خمسة أضعاف متوسط دخل الأسرة.

ووفقا لمؤشر "قاسيون" لتكاليف معيشة أسرة في دمشق، مكونة من 5 أشخاص، فإن تكاليف المعيشة قد قاربت في نهاية النصف الأول من عام 2018 ما يقارب 311 ألف ليرة.

مناقشة