مصارعة الكباش في تونس: تراث أمازيغي متواصل

رغم تواتر عدد كبير من الحضارات على دول المغرب العربي و خاصة تونس إلا أن مجملها قد بقي محافظا على ثقافة وعادات أمازيغية في أوساطها المجتمعية الشعبية، مصارعة الكباش هي من بين الموروث الأمازيغي الذي توارثته أجيال عبر قرون ولا زال إلى اليوم يحافظ على تواجده بين فئة خاصة من الناس بل يمكن القول أنه تطور في السنوات الأخيرة حيث أضحت منافساته تنشر على شبكات التواصل الاجتماعي و تستقطب عددا كبيرا من المتابعين والشغوفين بهذه الرياضة.
Sputnik

انتشار كبير بعد الثورة

يقول عمر (مربي أكباش مصارعة) في حديث لـ"سبوتنيك": "قبل أيام عدت من محافظة القصرين وسط غرب العاصمة تونس خالي الوفاض، ذهبت إلى هناك من أجل البحث عن كبش يصلح للصراع في المرحلة المقبلة، لأن كبشي قد هزم في الجولات الأخيرة، والتي نظمت قبل أشهر، وحظيت بمتابعة كبيرة ما دفعني إلى التخلي عنه وبيعه".

مضى على تعلق عمر برياضة مصارعة الكباش زمن طويل، ويقول "بعد الثورة أصبحت هذه الرياضة منتشرة أكثر في تونس وكثر عدد الشغوفين بها، حتى أن المسابقات أضحى يتم الإعلام عنها من خلال شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وترسل الدعوات من أجل ضمان أكبر عدد من المشاركين والمشاهدين".

وتبدأ المسابقة بعد الإعلان عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، ليلتقى جميع المتنافسين في المكان المخصص للمواجهة، وهو في أغلب الأحيان في منطقة حي الخضراء (منطقة شعبية تقع في العاصمة)، والتي تعتبر من أكثر الأماكن التي حافظت على هذا الإرث.

مصارعة الكباش في تونس: تراث أمازيغي متواصل

نظام غذائي خاص وتدريب شاق

في المقابل، ليس كل كبش مهما كانت ضخامة حجمه قادرا على منافسات بهذا الشكل، حسب عادل الوسلاتي (مربي أكباش مصارعة)، لافتا إلى أن أول مهمة للحصول على كبش قادر على المنافسة هي عملية الشراء التي يجب أن تكون مدروسة، ويشرف عليها أشخاص من ذوي الخبرة في هذا المجال، وحسب عادل، فإن هناك دائما من يشتري كبشا جاهزا، وهو اختيار ترتفع فيه نسبة الخطأ، وهناك من يشتري كبشا صغيرا ليواكب مراحل تطوره، يقول عادل في حديثه لـ"سبوتنيك": "أنا مثلا اشتريت كبشا صغيرا أخضعته لتدريب ونظام غذائي معين لمدة عام ونصف ثم أدخلته إلى المسابقات".

بعد شراء الكبش، تأتي مرحلة التسمية، في هذه المرحلة يختار المتسابقون أسماء مميزة يطلقونها على أكباشهم من نوع  "كوبرا"  أو "كعبورة"، أو في بعض الأحيان تكون الأسماء عربية، وتكون رمزا للفوز والقوة، بعد ذلك يتم حصر الكبش في فضاء صغير لفترة محددة بين 3 و6 أشهر بطريقة أشبه بالحبس الانفرادي، وهي فترة يكسب خلالها الكبش عدوانية تجاه أي كبش آخر، كما تتم العناية به عبر تقديم نظام غذائي خاص يتكون من أفضل أنواع الأعشاب والشعير المخلوط بزيت الزيتون.

وإضافة لذلك، فإنه يتم إخضاع الكبش لتدريب شاق مثل الجري، والمشي لمسافات طويلة، إضافة إلى التدريب الشهير، والذي يعمد خلاله مربو الكباش إلى ربط الكبش بإطار سيارة وإجباره على سحبه.

ويقول عادل الوسلاتي: "لا يمكن مصارعة كبشين من أعمار مختلفة أو من حجم مختلف وفي حال المصارعة هناك كؤوس وميداليات تهدى للفائز وجوائز هامة أيضا".

مصارعة الكباش في تونس: تراث أمازيغي متواصل

خلفية تاريخية

خلفية تاريخية دفعت بالمهتمين بهذه الرياضة إلى تأسيس إتحاد خاص لمصارعة الكباش، لكن بسبب الخلافات التي وقعت داخله، تم حله والعودة إلى التطوع الفردي في تنظيم المسابقات، كما تنتظم جولات صراع الكباش في ما يسمى "بالبطاحي"، وهي ملاعب كرة قدم غير معشبة ومهملة في عدد من الأحياء الشعبية.

يقول بعض المتابعين لهذه الرياضة إن "الكبش يعتبر أهم الآلهة لدى الأمازيع وهو رمز الفحولة والقوة".

محمود البحري (متابع لمصارعة الكباش) يقول في تصريح لـ"سبوتنيك" "لقد ورثنا هذا الشغف من آبائنا وأجددنا، في فترة الاستعمار الفرنسي، كان الشغف بالكباش منتشرا في تونس بطريقة كبيرة، وتنظم مسابقات أيضا، مثل ما يحصل اليوم بالضبط".

في المقابل ترتفع أسعار الكباش بسرعة في حال فوزها في صراع ما أو الحصول على كأس أو ميدالية، ويصل سعرها في بعض الأحيان إلى 5000 دولار، لكن سعره يتدنى بسرعة في حال خسر نزالا واحدا.

رغم أهمية هذه الرياضة في نظر كثير من الشغوفين بالكباش في تونس، إلا أن بعض الناشطين المدنيين التابعين لجمعيات تعنى بالرفق بالحيوانات في تونس يعتبرون هذا النوع من الرياضة فيه الكثير من العنف، ويرى رئيسها سامي المزابي، أن هذه اللعبة قاسية على الكباش وخطرة على حياتها "وتعرض كثير منها إلى ارتجاج في الدماغ والكسر والخلع وحتى الموت في بعض الأحيان".

مناقشة