سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

أنتجت روسيا اللقاح الأول في العالم "سبوتنيك V" ضد "كوفيد-19"، وهذا النجاح قائم أساسا على تطور روسيا تاريخيا في المجال الطبي.
Sputnik

ويعد إنتاج اللقاح مهمة ذات أولوية في العالم، حيث أعلنت العديد من الدول والمنظمات والشركات أنها على وشك تطوير لقاح. وقد تنجح بعض البلدان بتطوير لقاحات خاصة بها بحلول نهاية هذا العام. ومن المهم هنا ألا تعيق الحواجز السياسية استخدام أفضل التقنيات المتاحة لصالح جميع الناس في مواجهة هذا التحدي الذي يعتبر الأكبر خلال العقود الأخيرة، بحسب موقع "سبوتنيك V".

 

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

وفي صدد تسجيل اللقاح الأول، من المعروف أن روسيا كانت واحدة من رواد العالم في أبحاث اللقاحات منذ قرون، حيث أعطت الإمبراطورة الروسية كاترين العظمى مثالاً عام 1768، عندما تلقت أول لقاح ضد الجدري في البلاد، وهذا قبل 30 عامًا من إعطاء التطعيم الأول في الولايات المتحدة.

وفي مثال آخر، لاحظ العالم الروسي دميتري إيفانوفسكي تأثيرًا غير عادي عند دراسة أوراق التبغ المصابة بمرض الفسيفساء. فظلت الأوراق حاملة للعدوى حتى بعد أن قام العالم بتصفية البكتيريا. وهكذا وضع العالم الروسي الأساس لعلم جديد وهو علم الفيروسات.

ومنذ اكتشاف دميتري إيفانوفسكي، أصبحت روسيا واحدة من رواد العالم في أبحاث الفيروسات واللقاحات، بعلمائها الموهوبين مثل الباحث نيكولاي غاماليا، الذي درس في مختبر عالم الأحياء الفرنسي لويس باستور في باريس وافتتح ثاني محطة لقاح ضد داء الكلب في العالم عام 1886.

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

وواصل الاتحاد السوفيتي دعم الأبحاث حول الفيروسات واللقاحات في العقود اللاحقة. كما تلقى كل شخص ولد بعد الحرب العالمية الثانية تطعيمات إجبارية ضد شلل الأطفال والسل والدفتيريا.

وفي مثال نادر على التعاون في الحرب الباردة، سافر ثلاثة علماء فيروسات سوفيتيين بارزين إلى الولايات المتحدة في عام 1955 لدراسة فرص اختبار لقاح أمريكي ضد شلل الأطفال في الاتحاد السوفيتي. وبرأي كيريل دميترييف، إذا تمكنا من التعاون مجددا، فهناك فرصة ويجب علينا أن نفعل ذلك مرة أخرى الآن.

وعلى أساس الخبرة العلمية التي تعود لسنوات عديدة تم إنشاء مركز الأبحاث "غامالي"، الذي ساعد في تطوير اللقاح ضد "كوفيد-19".

وتلقى المركز طلبات دولية للحصول على مليار جرعة من اللقاح وتوصل إلى اتفاقيات دولية لإنتاج 500 مليون جرعة سنويًا، مع هدف زيادة هذا الحجم.

وتشكك العديد من وسائل الإعلام والسياسيين الغربيين في فعالية اللقاح لسرعة إنتاجه في روسيا، وما يمكننا قوله إن سر هذا النجاح هو تجربة روسيا في أبحاث اللقاحات.

والجدير بالذكر، أن مركز "غامالي" طور منصة تكنولوجية باستخدام فيروسات غدائية موجودة في الزائدة الأنفية وعادة ما تنقل نزلات البرد وهذه الناقلات الأنفية يمكنها تحفيز نقل المادة الوراثية لفيروس آخر إلى الخلية وعندها يتم إزالة جينات الفيروسات الغدائية التي تسبب العدوى، ويتم إدخال جينات خاصة بكود بروتين تابع لفيروس آخر.

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

وهذا العنصر الذي يتم إدخاله صغير، ولا يشكل تهديدًا للفيروس وهو آمن للجسم، لكنه لا يزال يساعد جهاز المناعة على الاستجابة وإنتاج الأجسام المضادة التي تحمينا من العدوى.

ونجح مركز غامالي بتطوير وتسجيل لقاحين ضد فيروس إيبولا في عام 2015 (كما تم تسجيل لقاح ثالث في عام 2020)، باستخدام النواقل القائمة على الفيروس الغدي. وتم اعتماد اللقاحات من قبل وزارة الصحة الروسية بشكل رسمي. وطعم نحو 2000 شخص في غينيا باللقاح ضد إيبولا وذلك في إطار المرحلة الثالثة من الاختبارات السريرية، وفي الأعوام 2017-2018 حصل مركز غاماليا على براءة اختراع دولية لهذا اللقاح.

كما استخدم مركز غامالي النواقل القائمة على الفيروسات الغدائية من أجل تطوير لقاحات ضد الإنفلونزا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، وهذان اللقاحان حالياً ضمن مراحل متقدمة للاختبارات السريرية.

ومنذ انتشار جائحة فيروس كورونا، كان كل ما يتعين على الباحثين الروس فعله هو استخراج الجين المشفر من غلاف فيروس كورونا المستجد (قسيم فولفي) وزرعه في ناقل الفيروسات الغدائية المألوفة لإيصاله إلى الخلية البشرية. 

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

وبعد أن أظهرت نتائج الدراسات الأخيرة أن مناعة الجسم ضد الفيروس تصبح أقوى بعد التطعيم مرتين، استخدم العلماء الروس ناقلين للفيروسات الغدائية لصنع اللقاح "Ad26" و"Ad5"، بهذه الطريقة، يخدعون الجسم، الذي طور مناعة ضد النوع الأول من الناقلين، ويعززون تأثير اللقاح بحقنة ثانية باستخدام ناقل مختلف.

والناقلان هما عبارة عن قطارين يحاولان إيصال شحنة مهمة إلى قلعة جسم الإنسان، والتي تحتاج إلى توصيل من أجل البدء في إنتاج الأجسام المضادة. والجسم بحاجة إلى قطار ثان لوصول الشحنة إلى وجهتها. ويجب أن يكون القطار الثاني مختلفًا عن الأول، الذي قد تعرض لهجوم من قبل جهاز المناعة. لذلك، حسب الكاتب، في حين أن الشركات المصنعة للقاحات الأخرى لديها تركيبة واحدة فقط، نحن لدينا اثنتان.

وتسير دول أخرى على خطوات روسيا من خلال تطوير لقاحات تعتمد على ناقلات الفيروسات الغدائية. تستخدم جامعة أكسفورد الفيروسات الغدائية للقرد، والتي، على عكس الفيروسات الغدائية البشرية، لم يتم استخدامها من قبل في اللقاحات المعتمدة. وتستخدم الشركة الأمريكية "Johnson & Johnson" الناقل "Ad26" أما الشركة الصينية "CanSino" فتستخدم "Ad5"، وهي نفس الناقلين التي يستخدمها مركز "غامالي"، لكن لم يتقنوا بعد النهج الثنائي. وتلقت كلتا الشركتين بالفعل طلبات كبيرة للقاحات من حكومتيهما.

وتتفوق مزايا اللقاحات المصنعة على أساس الفيروسات الغدائية على لقاحات "mRNA" التي يطورها الباحثون الأمريكيون وباحثون دول أخرى وهذا النوع من اللقاح عبارة عن جزيء RNA مع الشفرة الجينية لبروتين فيروس كورونا داخل غشاء دهني وهذه التكنولوجيا واعدة، لكن آثارها الجانبية، خاصة تأثيرها على الخصوبة، ليست مفهومة جيدًا بعد.

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

واللقاح الروسي ضد فيروس كورونا جاهز وتم تسجيله كما انتهت المرحلتان الأوليان من التجارب السريرية وسيتم نشر النتائج هذا الشهر وفقا للمتطلبات الدولية.

وستحتوي هذه المستندات على معلومات مفصلة بشأن اللقاح، بما في ذلك مستويات الأجسام المضادة الدقيقة الموضحة من خلال اختبارات مختلفة، بينها اختبار "غامالي" الخاص، والذي يحدد الأجسام المضادة الأكثر فعالية ضد فيروس كورونا.

وستظهر النتائج أيضا أن جميع المشاركين في التجارب السريرية قد اكتسبوا مناعة بنسبة 100% ضد "كوفيد-19". وبينت الدراسات التي أُجريت على الهامستر السوري، وهي حيوانات تنفق بسبب فيروس كورونا، حماية بنسبة 100% مع عدم تضرر الرئة بعد تلقيها جرعة قاتلة من العدوى. ومن المخطط بعد التسجيل، إجراء تجارب سريرية دولية في 3 دول أخرى. كما من المتوقع أن يبدأ إنتاج اللقاح بكميات كبيرة بحلول سبتمبر/أيلول.

وانتشرت الشكوك حول اللقاح الروسي بين السياسيين والإعلاميين الغربيين كما كشف دميترييف، رفضت الصحف ضمن حقائق أساسية عن الأبحاث الروسية للقاح في مقالاتهم وروسيا تنظر إلى هذا التوجه بأنه تقويض لجهود الباحثين في تطوير لقاح فعال من شأنه أن يوقف الجائحة ويساعد على استعادة الاقتصاد العالمي.

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم

وليست هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها روسيا عدم ثقة دولية تتعلق بريادتها في مجال العلوم، فهناك حالات عندما وقفت السياسة في طريق الاكتشافات العلمية مهددة الصحة العامة. فأثناء تفشي مرض شلل الأطفال في اليابان في الخمسينيات من القرن الماضي، سارعت الأمهات اليابانيات اللواتي كان أطفالهن يموتون بسبب شلل الأطفال بمعارضة حكومة بلادهم، التي حظرت استيراد لقاح شلل الأطفال السوفيتي لأسباب سياسية. وبالنتيجة حقق المتظاهرون هدفهم وتم رفع الحظر، مما أدى إلى إنقاذ حياة أكثر من 20 مليون طفل ياباني.

وتقف السياسة اليوم مرة أخرى في طريق التكنولوجيا الروسية التي يمكن أن تنقذ الأرواح في جميع أنحاء العالم. وروسيا منفتحة على التعاون الدولي في مكافحة هذا الوباء والأوبئة المستقبلية. وقال مندوب سوفيتي حضر مؤتمر دولي حول لقاحات شلل الأطفال في واشنطن عام 1960، ردًا على أسئلة الجمهور حول سلامة اللقاح، أننا في روسيا "نحب أطفالنا ونهتم برفاههم تمامًا مثل الناس في الولايات المتحدة. أو الناس في أي جزء آخر من العالم يهتمون بأطفالهم.

ولقي الوفد السوفيتي ترحيبا حارا من الجمهور، وبعد هذه الكلمات، ما أدى لاستمرار العمل المشترك على اللقاحات. فالرفاهية والازدهار للأجيال القادمة هو ما نحتاج إلى التفكير فيه الآن. وتحتاج جميع دول العالم إلى التخلي عن السياسة والتركيز على إيجاد حلول وتقنيات أفضل لحماية الأرواح واستئناف النشاط الاقتصادي.

وخلص دميترييف، لقد أقامت مؤسستنا شراكات إنتاج اللقاح مع 5 دول. ربما في مرحلة ما، بفضل هذه الشراكة لمكافحة كوفيد -19، سنتمكن أيضًا من إعادة النظر في القيود ذات الدوافع السياسية على العلاقات الدولية والتي عفا عليها الزمن وتشكل عقبة أمام الجهود المنسقة لمواجهة التحديات العالمية وإزالتها.

كيريل ديميترييف هو الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، وهو صندوق سيادي يدير بمبلغ 50 ​​مليار دولار.

 

(المقال يعبر عن رأي كاتبه)

سر نجاح روسيا في إنتاج لقاح كورونا الأول في العالم
مناقشة