مقابل الوساطة في أزمة سد النهضة.. ما هو الثمن الذي ينتظره السودان؟

تقارب كبير شهدته العلاقات المصرية السودانية خلال الأشهر الماضية وتنسيق في المواقف وتوحيد في الرؤي فيما يتعلق بقضية سد النهضة بشكل خاص تمثل ذلك في التشاور بين البلدين على أعلى المستويات.
Sputnik

هذا التطور الملحوظ في العلاقات طرح الكثير من التساؤلات حول الدور الجديد الذي تقوم به الخرطوم بعد إعلانها التطبيع مع إسرائيل، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن مصر قد تضرب سد النهضة، فهل تلعب السودان هذا الدور بلا مقابل، أم أن الجهات التي ضغطت على إثيوبيا ضغطت أيضا على مصر لحل قضية أخرى معلقة منذ عقود وهى "حلايب وشلاتين".. فما الثمن الذي يمكن أن تحصل عليه الخرطوم مقابل الوساطة؟

بعد مطالبته بتغيير الطرق السابقة... هل يغير الموقف السوداني مسار مفاوضات سد النهضة؟

إسرائيل وأمريكا

الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي السوداني بشير آدم رحمة، قال إن :" قضية حلايب وشلاتين بين مصر والسودان قديمة، وكلما تدخلت إسرائيل بين الدولتين تطفو على السطح تلك القضية، وتستخدم عادة لتطويع مصر، على سبيل المثال عندما دخل جمال عبد الناصر المنطقة في عام 1957 ضغطت إسرائيل وبريطانيا من أجل إخراج مصر منها، وقامت الدولتين بتحريض السودان للدخول في حرب مع مصر، على أن يدعموا الخرطوم ضد القاهرة."

وأضاف لـ"سبوتنيك"، :"الآن حصل تطبيع بين الحكومة الانتقالية في السودان أو يمكن أن نسمية تطبيع بين إسرائيل والجيش السوداني والمجموعة الحاكمة التي تحمل جوازات سفر غربية  عملاء الغرب، هؤلاء قاموا بعمل تطبيع مع إسرائيل دون الرغبة الغالبة للقوى السياسية السودانية، وهذا التطبيع تم بعد ضغوط شديدة على معيشة الشعب لتطويعه للقبول بأي إجراء يتم اتخاذه، فلا خبز ولا محروقات ولا مواصلات ولا كهرباء، كل شىء غير موجود حتى أصبحت الحياة لا تطاق بعدها تم تطبيق سياسة الصدمة".

من يحرك القضية

وأكد رحمة أن :" إسرائيل لن تتصالح مع مصر نهائيا نظرا لأنها ترى مصر قوة بشرية واقتصادية وعسكرية كبيرة، وهى القوة الوحيدة في حالة الاتحاد التي بمقدورها هزيمة إسرائيل وقد حدث هذا بالفعل في العام 1973، لذلك هم يحاولون دائما خلق مشكلة لمصر، الإسرائيليون كالثعبان الجسم ناعم والسم قاتل، فهم الآن يتعاملون مع السودان ويوشون له بأن حلايب وشلاتين سودانية، وهناك اليوم شركات تعدين غربية في تلك المنطقة تبحث عن الذهب والمعادن، تلك الشركات رفضت الدفع إلى مصر بعد أن سمحت لهم بالدخول على اعتبار أن تلك المنطقة متنازع عليها وهى تابعة للسودان في الخرائط."

وأشار أمين المؤتمر الشعبي إلى أن :"إثارة قضية حلايب وشلاتين كلما هدأت الأمور هو تحريك من إسرائيل والقوى الغربية من أجل عمل فتن بين مصر والسودان، وهذا هو الوضع الحالي، لكن مصر لديها مشكلة أخرى وهى على استعداد أن تتنازل عن حلايب وشلاتين من أجلها، حيث أن مصر اليوم تحتاج إلى السودان من أجل سد النهضة، أما حلايب وشلاتين فهى منطقة صحراوية، لكن المياه تمثل الحياة بالنسبة لمصر."

الأرض مقابل المياه

ولفت رحمة إلى أن:" زيارة الوفد العسكري المصري بهذا الحجم إلى السودان خلال الفترة الماضية، هى زيارة ليست عادية، كما حضر إلى السودان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ومعه عدد من الوزراء، فيمكننا القول أن مصر كلها كانت في السودان الأسبوع الماضي، وقبلها كان عبد الفتاح البرهان في القاهرة وجلس مع السيسي وكان برفقته أيضا وفد عسكري، وحتى وزير الخارجية لم يدخل في الاجتماع المغلق للوفد السوداني مع السيسي، وتلك كانت لفتة غريبة."

مسؤول مصري سابق "يكذب" إثيوبيا على الهواء في أربعة ادعاءات بشأن سد النهضة

وأوضح أمين المؤتمر الشعبي أنه :"إذا ربطنا الاحتياج المصري للسودان في هذا التوقيت بتصريحات ترامب والتي قال فيها إن مصر مستعدة أن تضرب سد النهضة، وهذا كلام خطير من رئيس أقوى دولة في العالم، ولا يمكن أن يتحدث هذا الكلام من فراغ، ويبدو أن المصريين تحدثوا معه بصورة جادة، لذلك تحرك الآن السودان، والبرهان زار أمس أديس أبابا، وربما يحمل البرهان رسالة أمريكية مصرية إلى الحبشة لتحذيرهم من ضرب السد حال عدم تحقيق تقدم في المفاوضات، وحال قيام مصر بضرب السد فإن السودان سوف يغرق."

وتابع رحمة:"لكن إثيوبيا ومن ورائها إسرائيل والصين ودول أخرى، قد تقوى الموقف الإثيوبي المتعنت أصلا وتقول لأديس أبابا دعهم يضربوا سد النهضة، فإذا قامت مصر بذلك سوف نزودكم بصواريخ تضرب السد العالي المصري أيضا، لذلك نجد أن تلك المرحلة هى عبارة عن توازن قوى بالإرهاب أو توازن الرعب، لذلك ستصل مصر وإثيوبيا إلى اتفاق، هذا الاتفاق الوسيط فيه السودان والثمن هو حلايب وشلاتين".

التقارب بين البلدين

من جانبه قال اللواء جمال مظلوم، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري: "إثارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان لقضية حلايب وشلاتين في أغسطس/أب الماضي ، ربما  كانت تهدف إلى جذب الرأي العام الداخلي لموقف قادم ، خصوصا أن خطاب البرهان تطرق أيضا إلى العديد من الملفات الداخلية مثل الوضع بين الحكومة والجيش، الأمر الذي يعطي انطباعا بأن هناك قلاقل داخل السودان".

وتابع لـ"سبوتنيك": "البرهان كان  يريد إرسال رسالة للداخل بأنه يسعى من أجل استعادة حقوق الشعب السوداني حسب تصورهم أن هذه الأراضي سودانية في الأصل".

 وأبدى الخبير الإستراتيجي عدم ترحيبه في ذلك الوقت بتصريح البرهان في التوقيت الذي تسعى فيه مصر والسودان إلى تكامل اقتصادي وإحياء العلاقات بين البلدين، مضيفا: "كان يجب تجميد مثل هذه الأمور".

وأضاف الخبير العسكري، أقول للسودانيين إن" مصر هى أقرب الشعوب إلى السودان من أي دولة عربية أخرى، والسودانيين في مصر يعاملوا معاملة المصريين، وهناك أكثر من 4 مليون سوداني يعيشون في مصر، وأتمنى من الحكومة والقيادة السودانية أن تحسم العلاقة مع مصر لأنها أقرب دولة للسودان".

القضايا الداخلية أولا

من جانبه قال خضر عطا المنان المحلل السياسي والناطق باسم مجلس الاتحاد السوداني العالمي، الذي يشكل الشق الآخر من قوى الحراك المدن" إن :"من يجلس على سدة الحكم الآن يعاني من خلافات وتجاذبات سياسية خطيرة جدا، قد تؤدي إلى مالا يخدم أهداف الثورة، كما أن هناك تكالب إقليمي من جانب المحاور التي تتصارع على أرض السودان خاصة على الصعيد الاقتصادي، وهذه بدورها تؤثر على مسيرة السلطة الانتقالية".

وأضاف لـ"سبوتنيك": "السلطة الانتقالية بحكم الوضع الداخلي السائد، من صراعات بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري، وأيضا بين شقي السلطة العسكري والمدني، هذه كلها اربكت الساحة وأربكت المشهد وأدت إلى فقدان التوازن".

وأوضح المنان: "في اعتقادي أن مسألة حلايب وشلاتين المتنازع عليها بين مصر والسودان ليست من أولويات المرحلة، وإن كان من أولويات الدولة أن تنظر للساحة بشكل عام في المسائل الداخلية والخارجية، لكننا الآن في مرحلة تتطلب أولا التكاتف الداخلي ووحدة الصف الوطني، ثم بعدها النظر إلى خارج حدود الوطن خصوصا عندما تكون القضايا ليست جديدة، وهناك عدد من القضايا الخارجية وليست حلايب وشلاتين فقط فهناك احتلال إثيوبي وإريتريا أراضي سودانية، وهى قضايا ليست عاجلة".

محللون: هكذا ستؤثر تصريحات ترامب على مفاوضات سد النهضة

وأكد المنان أن "الحديث الآن عن حلايب وشلاتين وغيرها ليست من اختصاصات السلطة الانتقالية، حيث  أن مهام السلطة الانتقالية هى تهيئة المناخ لما بعد المرحلة الانتقالية وبعد تشكيل المجلس التشريعي وتهيئة المناخ للديمقراطية وقيام دولة المواطنة، وإن لم يتم إنجاز تلك الأمور الداخلية، فأعتقد أنه لن يكون بالإمكان معالجة القضايا الإقليمية، لذا فإن إثارة قضية حلايب وشلاتين مجددا هو أمر غير موفق، لأن هناك أولويات متعلقة بمعيشة الإنسان السوداني".

وكان القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قد قال إن القوات المسلحة "لن تفرط في شبر" من أرض السودان.

جاء ذلك خلال مخاطبته، في آواخر أغسطس/أب الماضي، ضباط وصف وجنود القوات المسلحة بمنطقة وادي سيدنا العسكرية بكرري، بولاية الخرطوم، في إطار احتفالات القوات المسلحة بعيدها الـ66.

وأضاف البرهان: "حقنا ما بنخليه ولن نتراجع عنه ولن ننساه حتى يتم رفع علم السودان في حلايب وشلاتين وفي كل مكان من السودان"، بحسب الوكالة السودانية الرسمية للأنباء، التي أشارت إلى أن "البرهان أرسل البرهان رسالة دعم للقوات المسلحة المرابطة حول حلايب وشلاتين وأرقين وكل الذين يدافعون عن البلاد قائلا: نحن معكم"، مشيرا إلى أن "السودان يتعرض لاستهداف كبير في وحدته وحدوده".

ويطالب السودان بمثلث حلايب وشلاتين منذ عام 1958 وتقول القاهرة إنه أرض مصرية ورفضت في 2016 بدء مفاوضات لتحديد الحق في السيادة على المنطقة أو اللجوء إلى التحكيم الدولي بشأنها.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، طلبت حكومة السودان من مجلس الأمن الدولي بشكل رسمي، إبقاء قضية النزاع حول مثلث حلايب في جدول أعمال المجلس لهذا العام.

مناقشة