"مخاوف من ازدياد الاتجار بالبشر"... إعلانات لبيع الرضع تثير جدلا في تونس

أثارت منشورات لـ"بيع الرضع" على مواقع التواصل الاجتماعي مخاوف التونسيين من عودة مظاهر الاتجار بالبشر، في وقت أكدت فيه السلطات الرسمية أنها تتابع الموضوع للإطاحة بالمتورطين في هذه القضية.
Sputnik

وتداول نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" منشورات لأمهات تعرضن أطفالهن للبيع قبل ولادتهم، وأخريات تقترحن شراء طفل أو تبنيه، ضمن مجموعة تحمل اسم "تبني وكفالة الأطفال في تونس".

بيع الرضع

وعن حقيقة هذه المنشورات، أكد مندوب حماية الطفولة بمحافظة تونس أنيس عون الله في تصريح لـ "سبوتنيك"، أن المندوبية (تتبع وزارة المرأة) تكفلت بهذا الموضوع، ووجهت إشعارا للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص التي تتولى عملية التنسيق والتعهد بمثل هذه الشبهات.

تونس... تقرير هيئة الرقابة المالية يكشف عن معطيات جديدة متعلقة بالنفايات الإيطالية

وبيّن أن عملية التقصي أسفرت عن الإطاحة بمتورطين في هذه القضية، فيما يتواصل البحث عن بقية الضالعين في بيع الرضع، مضيفا أن عملية التحري تتطلب وقتا وجهدا قضائيا وأمنيا خاصة وأن الأطفال الذين تشملهم المنشورات مجهولي الهوية.

وقال عون الله "ليست المرة الأولى التي تتلقى فيها مندوبية حماية الطفولة إشعارات تتعلق ببيع الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي".

وأشار عون الله أن المندوبية تعرضت إلى أشكال متعددة من الاتجار بالأطفال، منها بيع الرضع، حيث "تلجأ بعض العائلات ممن لا تتوفر فيها الشروط القانونية للتبني لأساليب ملتوية من قبيل الحصول على طفل من أم عزباء واستغلال عجزها وظروفها المادية بمقابل مادي".

العوز المادي أحد الأسباب

وقال عون الله "رغم أن التشريعات التونسية تسلط عقوبات صارمة على المتاجرين بالأطفال وعلى كل من يثبت تورطه في مثل هذه الجرائم تتراوح بين 15 سنة و20 سنة، إلا أن هذه الظاهرة في تزايد لأسباب عدة، أهمها المنظومة المعلوماتية التي تسهم في التشجيع على هذه الممارسات، والضعف المادي".

وأوضح أن العوز المادي يجبر العديد من العائلات الفقيرة على التخلي عن أطفالها بمقابل مادي وأحيانا دون مقابل، حيث تخضع بعض الأمهات وخاصة العازبات منهن إلى الابتزاز والتهديد بالفضح، مما يجبرهن على بيع أطفالهم مقابل ضمان صمت المستغل.

وأضاف عون الله أن النوع الثاني من الاتجار بالأطفال الأكثر شيوعا في تونس هو العمالة المنزلية تحت غطاء الكفالة "يصعب على المندوبية وعلى هيئة مكافحة الاتجار بالأشخاص التعامل مع مثل هذا النوع من المتاجرة، إذ يعمد المستغلون إلى تشغيل الأطفال القصر بعد  تقييدهم بعقد كفالة، والقانون التونسي لا يمنع الأولياء أو المتكفلين من قيام ابنائهم ببعض الأعمال المنزلية".

وبيّن أن المندوبية تضطر حينها إلى تصنيف هذا النوع من الاتجار بالأطفال ضمن "سوء المعاملة"، أو "التقصير البيّن في الرعاية" عوضا عن تصنيفه ضمن تشغيل القصر الذي ينضوي بدوره ضمن المتاجرة.

خلل في التشريعات

من جانبه، قال رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف لـ"سبوتنيك"، إن معظم ضحايا المتاجرة بالأشخاص من الأطفال سواء كانوا تونسيين أو أجانب مقيمين في تونس.

وزير تونسي سابق: نحتاج لضمان دولة أجنبية للخروج إلى السوق المالية العالمية... فيديو

وأفاد أن حالات بيع الرضع تعد شاذة ومعدودة مقارنة بأشكال المتاجرة الأخرى الأكثر انتشارا في تونس، على غرار التسول وتشغيل القاصرات.

واعتبر الشريف أن تواصل هذه الظاهرة يعود بالأساس إلى الخلل في المنظومة التشريعية التي تتضمن العديد من القوانين المتشابكة، على غرار قانون الشغل الذي يتطرق إلى تشغيل القاصرات والقانون الجزائي الذي يتعامل مع تسول الأطفال، بالإضافة إلى قانون المتاجرة بالأطفال وقانون العنف الشامل ضد المرأة الذي يصنف تشغيل القاصرات على أنه استغلال اقتصادي وليس متاجرة. وقال إن كثافة القوانين صعّبت مهمة تقييم وضعيات المتاجرة بالأطفال على السلطات القضائية.

الإفلات من العقاب

ونبّه الشريف من أن الإفلات من العقاب أسهم بشكل مباشر في تنامي ظاهرة المتاجرة بالأطفال، موضحا أن القضاء عادة ما يسلط أخف العقوبات على مرتكبي هذا النوع من الجرائم، والمتمثلة عادة في تسليط مخالفة مادية وهو ما فتح المجال أمام المتاجرين بالأطفال إلى ممارسة جميع أشكال الممكنة من الاستغلال.

وأشار إلى أن "جل القضاة يمتنعون عن اتهام رئيس العائلة (الأب أو الأم) بالاتجار بالأطفال وتحميله عقوبة سجنية تصل إلى 15 سنة، بنية حماية العائلة من التفكك الأسري والهشاشة المادية، متناسين حق الطفل".

وأكد الشريف أنه منذ إصدار قانون المتاجرة بالأشخاص في 2017 لم تتم إحالة ولو ملف واحد على القضاء بتهمة واضحة تتعلق بالاتجار بالأشخاص "حتى الملفات الي مررت على المحاكم ما تزال إلى اليوم في طور التقاضي ولم يصدر أي حكم قضائي يعلن المتاجرة بالأطفال خاصة في وضعية التسول واستغلال القاصرات في البيوت".

ويكشف آخر تقرير رسمي للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص تسجيل 1313 حالة اتجار بالأشخاص خلال سنة 2019، في وقت تأكد فيه الهيئة  أن هذا الرقم لا يعكس العدد الحقيقي لضحايا هذه الجريمة في تونس.

مناقشة