عودة "الضحية" من بين الأموات.. نافالني في روسيا

بعد أشهر أمضاها في ألمانيا يعالج من السم "القاتل" الذي اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسلطات الأمنية بمحاولة اغتياله بـ"نوفيتشوك" أعيد ألكسي نافالني إلى بلاده وبعزيمة وإرادة أقوى وبدعم معنوي وسياسي أوروبي.
Sputnik

لا شك أن عودة المعارض الروسي نافالني إلى روسيا أسقطت كل الحملات والأكاذيب الغربية والأوروبية بشأن دور موسكو في تسميمه، فكيف لشخص مهدد وتعرض لعملية اغتيال أن يسلم نفسه لجلاديه مرة أخرى؟ ولماذا بهذا التوقيت تحديدا أعلن عن عودته وما هي الأهداف الخفية من وراء تحركاته؟

عاش نافالني أياما هادئة ومليئة بالأمل والدعم المعنوي وسط الزيارات اليومية للمسؤولين الأمنيين والسياسيين الأوروبيين له، وذلك بعد خروجه من العناية الفائقة بعد حادثة أمنية حصلت معه في مدينة تومسك الروسية حمل فيها المسؤولية الكاملة للرئيس بوتين والمخابرات الروسية بمحاولة تسميمه بمادة "نوفيتشوك" القاتلة واستطاع أن ينجو من الموت بأعجوبة بحسب رأيه.

وتعتبر المادة الروسية "نوفيتشوك" مادة كيميائية مركبة من الفوسفور والكربون التي تعتبر من المواد المشلة للأعصاب وتدخل إلى جسم الإنسان عبر الجلد أو المعدة أو جهاز التنفس وهي في نفس الوقت قاتلة وتساهم بتدمير الجهاز العصبي لدى الإنسان خلال ساعات ويصبح المصاب مشلولا تماما ما يسبب التشنج والغيبوبة العميقة وصولا إلى حالة الوفاة.

عاد نافالني من الموت بسرعة فائقة حيث فشل غيره بالبقاء على قيد الحياة وبينهم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال الذي عملت بريطانيا على اتهام روسيا بحادثة تسميمه في مدينة سالزبري البريطانية.

عودة "الضحية" من بين الأموات.. نافالني في روسيا

ألمانيا تعيد نافالني مجبرا إلى موسكو

وصل نافالني إلى ألمانيا على طائرة قدمتها السلطات الألمانية في 21 آب/ أغسطس من عام 2020 وبقي يتنقل من مشفى إلى أخر حتى استقر به الأمر في مستشفى "شاريتي" وخرج بعدها في 13 أكتوبر/ تشرين الأول بعد سلسلة من الفحوصات والتحقيقات التي فتحتها السلطات الأوروبية بشأن محاولة تسميمه من قبل السلطات الروسية.

لم تكن عودة نافالني إلى روسيا مخطط لها وبدا ذلك جليا من التحركات الأمنية والاستخباراتية له في ألمانيا، حيث كشفت وسائل إعلام ألمانية أن جهاز أمن ألماني رافق نافالني وزوجته إلى المطار وبقى معهما حتى إقلاع الطائرة لضمان خروجهم من البلاد.

الأهداف الخفية من عودة نافالني إلى روسيا

شكل إعلان نافالني عن نية عودته إلى روسيا جدلا كبيرا في الأوساط السياسية والاجتماعية الروسية خصوصا من مناصريه الذين تفاجئوا بقراره بعد اتهاماته المباشرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسلطات الروسية بمحاولة تسميمه وقتله.

لكن قرارعودة المعارض "الشرس" لبوتين لم يكن من ضمن مخططاته، وبالتالي فإن المبادر لهذه الخطوة هي السلطات الألمانية التي قامت بإبعاد وإعادة نافالني إلى بلاده حرصا منها على إبقاء أبواب التواصل مع روسيا خصوصا مع مصالح مشتركة بين البلدين في ما يتعلق بمشروع السيل الشمالي 2 بالرغم من الضغوطات الأمريكية بفرض العقوبات على الطرفين.

عودة "الضحية" من بين الأموات.. نافالني في روسيا

لا تخف ألمانيا والدول الأوروبية دعمها للمعارض نافالني والذي تستخدمه كأداة ضغط على بوتين، لكنها تعلم جيدا أنه مجرد شخص لمرحلة معينة ينتهي مع انتهاء حقبة سياسية معينة.

وأرادت ألمانيا من خلال هذه الخطوة غير المدروسة والمفاجئة ومعها الإدارة الأمريكية زعزعة الشارع الروسي عبر أحداث أمنية متنقلة في مناطق روسية مختلفة.

وجاء قرار السفارة الأمريكية بنشر مسارات وأماكن الاحتجاجات في عدد من المدن الروسية وعملية دس معلومات عن "مسيرة إلى الكرملين" المنظمة من المعارضة برهانا إضافيا على التنسيق والارتباط بين واشنطن وعواصم أوروبا ونافالني.

أما الهدف الرئيس لكل من الأطراف الثلاثة هي مختلفة، نافالني الذي اعتبر أن توقيت عودته إلى روسيا سيكون مناسبا مع عملية انتقال السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من معرفته أنه مطلوب وبحقه مذكرة توقيف رسمية من السلطات الروسية، معتبرا أن هذا الأمر سيعزز من موقعه في الأروقة الغربية ويصبح قادرا على استثمار ذلك سياسيا وماليا.

أما هدف واشنطن المؤكد هو محاولة زعزعة المجتمع الروسي وتصويب التهم السياسية والمشاكل الاقتصادية على رئيس البلاد وسلطاتها من جهة، بالإضافة إلى محاولة استثمار هذه الأحداث لمصلحتها وإمكانية وضع شروط على الحوار والعلاقات مع موسكو في ظل مجيء إدارة أمريكية جديدة.   

أما برلين التي تعتبر نفسها محورا رئيسيا في تحديد السياسات الأوروبية وتوجهاتها ما تزال رهينة السياسات الأمريكية المتعاقبة بالرغم من تراجع الدور والهيمنة الأمريكية في العالم.

عودة "الضحية" من بين الأموات.. نافالني في روسيا

"كرنفال" المعارضة في الشوارع الروسية

لم تستطع قضية نافالني إحداث خرق في الشارع الروسي بالرغم من الدعوات الإعلامية والحملات الممنهجة من قبل وسائل التواصل الاجتماعي على وجوب ملأ الساحات للدفاع عن المعارض نافالني الذي تم احتجازه. وبحسب وسائل الإعلام المختلفة بلغت أعداد المحتجين نحو 50 ألفا في مختلف المدن الروسية وهذا شكل فشلا ذريعا لنافالني وكل القوى والدول التي تراهن عليه في إحداثه خرقا في جدار الكرملين.

المقال يعبرعن رأي كاتبه

مناقشة