ما الذي جناه الرئيس التونسي قيس سعيد من زيارته إلى فرنسا؟

يبدو أن الانطباعات حول الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى فرنسا في خضم مشاركته في قمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم تكن جيدة في مجملها.
Sputnik

فالرجل الذي أقلع إلى باريس للمرة الثانية في ولايته الرئاسية لم يجنِ من الزيارة سوى وعد فرنسي بالحصول على أكبر كمية من اللقاحات ضد كورونا في أقرب الآجال، وتصريح يقول فيه إن الوضع في بلاده لا يشجع على الاستثمار.

الرئيس التونسي يطالب بسرعة معالجة الأوضاع الاقتصادية وإيجاد حلول لمطالب الشعب

هذه الحصيلة التي عاد بها سعيد تأتي في وقت تبحث فيه تونس المثقلة بالهموم الاقتصادية والاجتماعية وبالإضرابات عن حلول لأزمتها المالية التي فاقمتها أعباء الجائحة الصحية.

إذ تحتاج تونس إلى تعبئة موارد مالية بقيمة 18.7 مليار دينار "قرابة 7 مليار دولار" مع انتهاء السنة الحالية، وتحصيل قروض خارجية في حدود 13.1 مليار دينار، وأخرى داخلية بنحو 5.6 مليار دينار.

زيارة بروتوكولية

وأوضح الناطق الرسمي باسم حزب قلب تونس والخبير في المالية محمد الصادق جبنون أن النتيجة الأساسية لقمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية التي شارك فيها 18 رئيس دولة أفريقية أو ممثليهم مع قيادات أوروبية وممثلين عن المؤسسات المالية الدولية، كانت تهم بلدان الساحل والصحراء بالأساس.

وأضاف أن القمة طرحت تمويلا إضافيا للقارة الأفريقية بـ 50 مليار دولار والتي تبناها صندوق النقد الدولي ويبحث في الآليات العملية لتنفيذها، وطرح ديون السودان بما يضاهي 5 مليار دولار وإقرار خطة لدعم ومساعدة هذا البلد.

أما بالنسبة لما جنته تونس من هذه الزيارة، فيرى جبنون أن الزيارة كانت بروتوكولية ومفرغة من الأهداف والنتائج، منتقدا التوصيف الذي قدمه الرئيس التونسي للوضع الداخلي في تونس ولمناخ الاستثمار في حواره مع قناة "فرانس 24".

وقال "صحيح أن وضعية تونس الاقتصادية صعبة جدا والإطار الاستثماري يحتاج إلى الكثير من التطوير والمراجعة، ولكن لا يمكن القول في تظاهرة دولية أن تونس بلد لا يمكن الاستثمار فيه تحت عناوين فضفاضة مثل مسألة مكافحة الفساد التي أصبحت عنوانا سياسيا أكثر منه عنوانا واقعيا".

وبيّن أن مثل هذه التصريحات تضرّ بالوضع الاقتصادي لتونس خاصة وأن البلاد تمر حاليا بأزمة خطيرة تسببت فيها جائحة كورونا، والأزمات الهيكلية السابقة.

وانتقد جبنون غياب وزير الاقتصاد والمالية وحتى محافظ البنك المركزي عن هذه الزيارة، وهو ما نقل الصراعات الداخلية بين قصر قرطاج والحكومة والبرلمان إلى الخارج، معتبرا أن "هذا الغياب أفرغ العملية من أهميتها خاصة وأن الحديث عن تمويل الدين كان من الممكن أن يعطي ثقلا أكثر لهذه الزيارة، وتأخذ بُعدها من حيث الدبلوماسية الاقتصادية".

العبرة بالنتائج

وفي تصريح لـ "سبوتنيك"، اعتبر النائب عن التيار الديمقراطي نبيل حجي أن هذه الزيارة مهمة، قائلا "آن الأوان لتونس أن تلتفت اقتصاديا إلى جنوبها أكثر من شمالها وأن تنفتح على مناطق جديدة وتفتح مبادلاتها التجارية والمالية والتكنولوجية مع القارة السمراء خاصة بعد أن تبين أنها لم تجنِ  من الجانب الأوروبي الكثير".

وبيّن أن العديد من البلدان تستثمر حاليا في أفريقيا على غرار المغرب، معتبرا أن وجود تونس في مثل هذه التظاهرات الدولية سيساعد على بناء شراكات مستقبلية جديدة.

وقال حجي إن التنقلات الخارجية والدبلوماسية من أهم صلاحيات رئيس الجمهورية خاصة في ظل الظرف الاقتصادي الراهن الذي تمر به البلاد، مستطردا "لا يمكن القول إن هذه الزيارة كانت ناجحة أو لا، لأن العبرة بالنتائج وليس بالخطابات والبلاغات".

وبدوره، انتقد حجي التصريح الذي أدلى به رئيس الدولة إلى القناة الفرنسية والذي اعتبر فيه أن الوضع في تونس لا يشجع على الاستثمار، مبينا "المناخ الاقتصادي في تونس لا يشجع لا على الاستثمار الداخلي ولا الخارجي وهو أمر يعلمه القاصي والداني ويصرح به حتى أعضاء الحكومة ولكن أن يصرّح به رئيس الجمهورية في مؤسسة اعلامية أجنبية وفي زيارة خارجية فهو أمر لا يستقيم".

من ناحية ثانية قال حجي إنه لا يمكن المبالغة في نقد هذا التصريح، لأن المستثمرين لن ينتظروا تصريحا من رئيس الدولة أو غيره حتى يطلعوا على مناخ الاستثمار وعلى مستوى الاقتصاد والعراقيل الإدارية والديوانية، مضيفا أن الأهم من كل هذا، هو أن يبادر أصحاب الحكم ومن بينهم رئيس الجمهورية إلى تقديم مبادرات للخروج من هذا الوضع ولتحسين مناخ الاستثمار.

رسائل سلبية

وأوضحت الخبيرة الاقتصادية جنات بن عبد الله أن زيارة سعيّد إلى فرنسا تندرج في إطار القمة الاقتصادية الأفريقية التي نظمتها فرنسا تحت شعار تمويل اقتصاديات البلدان الأفريقية المتضررة من جائحة كورونا، وحضور تونس جاء من زاوية أنها بلد أفريقي متضرر.

وتابعت "استنادا إلى هذا الشعار من المفروض أن تتمتع تونس بهذه الآليات التي ستضعها فرنسا من أجل مساعدة هذه البلدان، إلا أن المنحى الذي اتخذته هذه القمة كان استهداف السودان".

وانتقدت بن عبد الله تحوّل رئيس الجمهورية إلى باريس دون أن يكون محمّلا باقتراحات أو مشروع أو تصور، قائلة "حتى كلمته التي ألقاها في القمة تناولت الدعوة لتخفيف المديونية على البلدان الأفريقية متناسيا أو متجاهلا أو متعمدا الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها بلده".

وأضافت "مادامت هذه الدعوة جاءت على لسانه فحريّ به قبل أن يتحول إلى باريس أن يكون قد قام بمبادرة تشريعية أو بدعوة للتخفيف من ثقل وتحديات هذه المديونية على الاقتصاد التونسيين".

من ناحية ثانية، اعتبرت الخبيرة الاقتصادية أن رئيس الجمهورية أكد من خلال الحوار الذي أجراه مع القناة الفرنسية أنه رجل يعمل ضد بلده وأنه لم يرتدِ بعد قميص رئيس الدولة الذي من المفروض أن لا يتناول قضاياها الداخلية في بلد خارجي، وفي وسيلة إعلام أجنبية.

وبيّنت أن الرسالة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية هي رسالة سلبية جدا أعطت صورة قاتمة عن الاستثمار والاقتصاد التونسي، وأن منصب رئيس الدولة يفرض عليه اعتماد دبلوماسية اقتصادية ذكية تعمل على إعطاء صورة إيجابية والتخفيف من صعوبة الوضع المالي.

وترى بن عبد الله أن تونس لا يمكن أن تكون مستفيدة من هذه القمة لأن المستفيد الأساسي هو فرنسا التي تسعى إلى مزيد من إحكام قبضتها على اقتصاديات مستعمراتها القديمة والتي تحوّلت إلى مناطق صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وفرنسا.

وعلّقت الخبيرة الاقتصادية على قول الرئيس الفرنسي إن القطاع الخاص في هذه البلدان يستوجب الاعتناء به بالتساؤل "عن أي قطاع خاص تتحدث فرنسا باستثناء الشركات الفرنسية المنتصبة في هذه البلدان والتي سيوجّه إليها الدعم؟"، مضيفة أنه لا يمكن الحديث عن اقتصاد أو نمو أو تنمية اقتصادية في غياب السيادة النقدية لهذه البلدان.

وختمت "بالنسبة للطرف التونسي كانت هذه مناسبة لتوضيح الموقف التونسي مما يحدث في العالم من إعادة خلط للأوراق إلا أن النتائج جاءت سلبية على المستوى السياسي وخاصة على المستوى الاقتصادي والمالي".

مناقشة