تغيير "المصطلحات"... تقارب مع سوريا أم مجرد استفزاز إعلامي مؤقت؟

10 سنوات من الحرب والدمار في سوريا، اتخذت فيها كبرى القنوات العربية والعالمية نهجا معارضا لما سمته "النظام السوري" ومقاطعة إعلامية لكل ما يخص الحكومة الشرعية في البلاد.
Sputnik

في شبه انقلاب للأمور، حظيت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في سوريا، بتغطية إعلامية كبيرة، من عدة قنوات ووكالات عربية وعالمية، اتخذت في الـ10 سنوات الأخيرة نهجا سياسيا واضحا ضد سياسة الرئيس السوري بشار الأسد.

وخلال كلمة متلفزة للرئيس السوري المنتخب من قبل شعبه لولاية رئاسية رابعة بعد حصوله على الأغلبية المطلقة من الأصوات، حدث ما أشعل رواد منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، وهو أن بعض هذه القنوات، مثل "الجزيرة" و"العربية" وغيرها قامت ببث الكلمة نقلا عن الإعلام الوطني، واستخدمت مصطلح "الرئيس السوري" لأول مرة بعد بداية الأزمة السورية، في مشهد أثار جدلا بين السوريين.

السوريون تفاعلوا بشدة حول هذا "الانقلاب الإعلامي الكبير" بأن يتم نقل كلمة الرئيس السوري مباشرة بل وتسمية الكلمات بمسمياتها.

بالإضافة إلى ذلك، قامت قناة "الحدث" بتغطية شاملة للانتخابات وإعلان فوز الأسد، بل وتثبيت منشور الكلمة المتلفزة للرئيس السوري في رأس الصفحة الرسمية للقناة لمدة ساعات.

فكتب البعض أن هذا مبشر كبير لعودة التقارب السوري العربي، باعتبار أن جميع دول العالم رأت الإقبال الكبير للسوريين في الداخل والخارج لكي يقولوا كلمتهم ويختاروا رئيسهم دون أي إجبار أو إكراه، وبالتالي لا يوجد أي مبرر للحديث حول "شرعية أو لا شرعية الرئيس السوري"، كما تحدثوا في السابق، وأن الأسد هو خيار أكثر من 13 مليون سوري من أصل ما يفوق 18 مليون شاركوا في الاقتراع داخل سوريا وخارجها.

ورأى سوريون آخرون أنه من المبكر الحديث عن مثل هكذا تقارب، وخصوصا أن "الجزيرة" استخدمت كلمة "النظام السوري" في نشرات أخبارها، وفي بعض المنشورات تم الاستهزاء من الانتخابات ونشر ردود فعل للمعارضة المقيمة خارج سوريا.

تقارب يلوح في الأفق... ولكن

شهدت الفترة الأخيرة دعوات سعودية إماراتية لعودة سوريا إلى الجامعة العربية ومحيطها العربي، حيث قال وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، إن عودة سوريا للعمل الإقليمي مع محيطها العربي أمر لا بد منه.

فيما أكد وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، أهمية إيجاد مسار سياسي يؤدي إلى تسوية واستقرار الوضع في سوريا، وبالتالي عودتها إلى الحضن العربي.

بالمقابل، قال وزير الخارجية القطري محمد عبد الرحمن آل ثاني، عقب اجتماع ثلاثي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف والتركي مولود تشاووش أوغلو، في الـ11 من مارس: "إن الحل الوحيد للأزمة السورية هو الحل السياسي وعلينا دعم العملية التي تقودها الأمم المتحدة".

وكانت في الـ15 من شهر مارس/آذار مساعدة وزير الخارجية والمتحدثة الرسمية لوزارة الخارجية، لؤلؤة بنت راشد الخاطر، قد قالت خلال مؤتمر عقد على هامش الجلسة الـ46 لمجلس حقوق الإنسان، إن "الوقت قد حان لإيجاد طرق ومسارات جديدة نحو حل وانتقال سياسي حقيقي وشامل في سوريا على أساس بيان [جنيف1] وقرار مجلس الأمن [2254]".

وفي الرابع من مايو، نقلت صحيفة "الرأي اليوم" عن مصادر دبلوماسية سورية، قولها إن وفدا سعوديا برئاسة رئيس المخابرات السعودي، الفريق خالد الحميدان زار دمشق والتقى مع الرئيس السوري، بشار الأسد، ونائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية، اللواء علي المملوك.

واتفق الطرفان، بحسب المصادر الدبلوماسية، على أن يكون هناك زيارة مطولة للوفد السعودي بعد عيد الفطر.

واتفق الوفد السعودي، وفقا للمصادر، مع المسؤولين السوريين على عودة العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارة السعودية في دمشق، كخطوة أولى لاستعادة العلاقات في مختلف وشتى المجالات.

وقالت المصادر الدبلوماسية إن الوفد السعودي أبلغ المسؤولين السوريين ترحيب المملكة بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وحضورها مؤتمر القمة العربية المقبل في الجزائر.

وفي هذا الصدد قامت إذاعة "شام إف إم" السورية الرسمية بتوجيه سؤال لوزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، خلال حوار جرى في الـ20 من مايو/أيار الحالي، فأجاب قائلا: "نحن نأمل دائما ببناء أفضل وأطيب العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، كيف يمكن أن نتقدم بعلاقاتنا مع دول العالم والعلاقة ليست كما يجب أن تكون مع الدول العربية؟، أنا أعيد التأكيد على أن رغبة الشعب العربي في سوريا هو أن لا يكون هناك أي خلاف مع أي بلد عربي، ونحن نرحب بأي مبادرة لتصحيح العلاقات بين الدول العربية، ونحمل بعض الدول العربية إطالة أمد هذه الخلافات التي لا مبرر لها، خصوصا وأن سوريا بحربها على الإرهاب إنما تدافع عن الدول العربية ودول العالم".

كل هذه الأحداث كانت كفيلة بتصدر منصات التواصل الإجتماعي وخاصة في الأوساط السورية، لأنها قد تكون بداية النهاية للأزمة السورية.

تحدثت هاتفيا مع الصحفي السوري جعفر ميّا، الذي أجرى الحوار آنذاك مع المقداد، حول كل ما يجري ليدلي لـ"سبوتنيك" بالتصريح التالي: "على أرض الواقع، السياسة بين الدول شيء والإعلام شيء مختلف تماما.. فعلى سبيل المثال، مرت فترة من العلاقة السيئة بين دمشق والرياض بعد اغتيال الحريري، لكن فجأة ظهر الرئيس بشار الأسد كضيف مميز لدى الملك عبد الله أثناء افتتاح إحدى الجامعات في السعودية.. سوريا بحاجة لمحيطها العربي كما هذا المحيط بحاجة لها".

ويشير ميّا إلى أن "الماكينتين الإعلاميتين في قطر من جهة، والسعودية، أو باقي دول الخليج إن صح التعبير، من جهة أخرى، تعيشان في حالة من التناقض بالعديد من القضايا الإقليمية والدولية، ومنها الملف السوري".

وبتابع ميّا موضحا: "لذلك الموضوع أبعد من عبارات إعلامية تستخدمها الجزيرة أو العربية.. فالأمر يتعلق بمنظومتين خليجتين لا يسيران في نفس السياق أو السياسة الإعلامية".

والجدير ذكره، أن وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وخلال مقابلة مع تلفزيون "العربي"، يوم الجمعة، قال: "إن بلاده لا تعتزم تطبيع العلاقات مع سوريا بعد فوز الرئيس السوري بشار الأسد بولاية رابعة الأسبوع الماضي".

وأضاف الوزير: "لم نر أي أفق لحل سياسي يرتضيه الشعب السوري حتى الآن.. لم نر أي تقدم في ذلك، هناك استمرار في نفس النهج والسلوك".

وأردف بالقول: "لا يوجد لدينا أي دافع لعودة العلاقات في الوقت الحالي مع النظام السوري.. النظام السوري يرتكب جرائم بحق شعبه".

سبق هذا الكلام بيوم تصريحا لمستشارة الرئيس السوري، بثينة شعبان، لوكالة "سبوتنيك"، حيث قالت: إن "دولا عربية عدة قد تعيد النظر في موقفها تجاه العلاقات مع سوريا بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية".

وقالت دمشق إن الانتخابات التي جرت يوم الأربعاء، تظهر أن الأمور في البلاد تسير بصورة طبيعية رغم الحرب التي قتلت مئات الآلاف وشردت 11 مليونا.

وخفضت دول عربية خليجية من مستوى التمثيل الدبلوماسي مع دمشق في عام 2012 أو أغلقت مقار بعثاتها الدبلوماسية. أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق في أواخر 2018.

الآن، لدى الإمارات قائم بالأعمال في سوريا، وأوفدت سلطنة عمان، وهي من الدول العربية القليلة التي أبقت على العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، سفيرا إلى هناك في 2020.

(المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط)

المدونات
مناقشة