مشروع "قناة اسطنبول"... عصا جديدة بيد أردوغان لجذب أنظار العالم

لم تكن الضجة والأحداث الأخيرة المتعلقة بالضباط الأتراك، الذين تم اعتقالهم من قبل السلطات التركية على خلفية موقفهم المناقض لدولتهم بشأن اتفاقية "مونترو" لاستخدام المضائق البحرية، أمرا عاديا، بل ساهمت بفتح عيون العالم بأسره على مخططات تركيا الجيوسياسية المستقبلية في المنطقة.
Sputnik

وقعت أنباء انتشار بيان الضباط الأتراك، المؤيدين لاتفاقية "مونترو" لاستخدام المضائق البحرية، كالصاعقة على رئيس البلاد الذي لم يتمالك نفسه وأطلق تصريحات قاسية بحق التسريبات المتعلقة بالمخططات والمصالح العليا لتركيا، مشيرا أن "الأمر غير مقبول نهائيا ويعد خيانة عظمى".

شرع بيان الضباط عيون الدول المجاورة والحليفة والمعادية وبات الجميع يفكر ويتحدث عما يدور من أفكار في رأس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي بدوره يحب جذب الأنظار إلبه من كال حد وصوب، وبالتالي جاءت الخطوة استباقية لكن في وقتها غير المعلن وسط التغيرات الدولية والجيوسياسية في المنطقة.

تركيا تتغلغل في البلقان بصمت وتهدد أبواب روسيا في المنطقة
يحاول أردوغان جاهدا إحياء مجد الأمبراطورية العثمانية، وتجلى ذلك بوضوح من خلال السياسية الخارجية التركية في منطقة الشرق الأوسط مرورا بالبلقان وصولا إلى القارة الأفريقية. طموحات الرئيس التركي وأحلامه بإحياء الدولة العثمانية العظمى لم يعد سرا على أحد، حيث سيضاف مشروع قناة اسطنبول إلى مشاريع أردوغان الأخرى لمحاولة إحياء الدولة التاريخية.

فكرة قديمة برهانات جديدة

برزت فكرة القناة الاستراتيجية في تركيا خلال تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الحكومة التركية خلال عام 2011، عبر زلة لسان عمرها أكثر من 10 سنوات، قال أردوغان خلالها، إن "تركيا تفكر ببناء طريق احتياطي لمضيق البوسفور الذي سيشكل عنصر قوة جديد لتركيا وشريان إضافي للنقل البحري العالمي".

وبدأت أعمال التخطيط للمشروع بداية العام 2018، حيث سعت الحكومة التركية لايجاد التمويل المناسب لهذا المشروع، ومحاولة اعتماده وإقراره بطريقة هادئة دون أي ضجيج إعلامي أو محلي دون إيصال صداه إلى الخارج، لكن الأحداث الإقليمية والعالمية الأخرى جعلت المشروع التركي يخفت مع الاستحقاقات الأخرى التي تواجهها أنقرة، وبات الشمال السوري وليبيا والسودان والعلاقات مع قطر ومواجهة الحملة العالمية ضد الإخوان المسلمين أولويات تسبق المشاريع التركية الثانوية ومنها مشروع "قناة اسطنبول".

الأحداث التي لحقت بالشريان الملاحي الرئيسي في العالم، قناة السويس، أفاق المشروع التركي من كبوته حيث أعاد أردوغان رسم الخطوط الرئيسية له مدعوما بالانجازات السياسية الخارجية التركية التي خرقت حدود الدول الأخرى، وباتت أنقرة لاعبا أساسيا يحتذى التفاوض معها للتوصل إلى تسوية أو اتفاق استراتيجي وبينهم على مشروع قناة "اسطنبول" القديم الجديد.

مشروع "قناة اسطنبول"... عصا جديدة بيد أردوغان لجذب أنظار العالم

قانونية المشروع وشرعيته الدولية

يظهر المخطط الأولي للمشروع أن قناة اسطنبول الجديدة ستكون كاملة تحت السيادة التركية، وبالتالي لن تخضع لاتفاقية "مونترو" الدولية وهذا الأمر يشكل تحديا كبيرا للقانون الدولي بحيث تتدعي أنقرة أن الهدف الرئيسي من القناة هو تجاري دون الدخول بالمسائل الاستراتيجية والسياسية.

في الظاهر تبدو الأمور بسيطة ولا تدعو لاستنفار الدول والأمم والمنظمات القانونية، لكن الكثير من الأسئلة بدأت تطرح بشأن المكون والجدوى الاقتصادية من المشروع، ذلك عدا عن الاتفاقات التي يجب عقدها مع الشركات النقل البحرية، ودفع عقود وإيجار مرور السفن من هذه القناة، أزمة ومشكلة كبيرة لا تحل بأيام ولا سنوات، فمن الأسهل عبور السفن من مضيق دولي وبشكل مجاني، ذلك أسهل ودون مشاكل تذكر وفي نفس الوقت يطرح السؤال الأهم "إذا ما الغاية الخفية من القناة التركية وبماذا يفكر أردوغان؟".

مشروع "قناة اسطنبول"... عصا جديدة بيد أردوغان لجذب أنظار العالم

مواجهة داخلية وخارجية ضد مشروع القناة

يحاول أردوغان من خلال المشروع المطروح إستنهاض الشارع التركي لصفه، وذلك بعد الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية في ظل وباء فيروس "كورونا" الذي ضرب القطاع السياحي التركي، وبالتالي كان له تأثيرا أساسيا على انهيار الليرة والاقتصاد التركي، لن تكون المواجهة سهلة لأردوغان حيث يواجه مشروعه معارضة جدية داخليا تبدأ بسكان اسطنبول وصولا إلى رئيس بلديتها أكرم أوغلو الذي يعد من المنافسين الأساسيين لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2023.   

وبحسب المعارضة التركية، يحمل مشروع القناة غايات وأهداف تخص عائلة الرئيس والمقربين منه وتجلى ذلك بوثائق كشفت عن شراء الأراضي القريبة من منطقة بناء القناة، بالإضافة إلى دعاة حماية البيئة الذين يتنبأون بكارثة على البحر الأسود وبحر مرمرة بسبب إمدادات المياه في اسطنبول ستكون مهددة وإضافة إلى ذلك مخاطر الزلازل ستزداد مع بدء عمليات البناء.

مشروع "قناة اسطنبول"... عصا جديدة بيد أردوغان لجذب أنظار العالم

أما على المستوى الخارجي من المواجهة، فلا بد من التوضيح أن سبع دول تقع حول البحر الأسود، لكن دولتين فقط لهما أهمية جيوسياسية هي روسيا وتركيا ومع السرد الاحتمالات الممكنة للوضع يمكن القول أن توصل موسكو وأنقرة إلى اتفاق معين بشأن هذا المشروع قد ينسف اتفاقية مونترو كليا. أما في حال الاعتراض الروسي تدرك تركيا جيدا ما يمكن لموسكو فعله، فروسيا لن تسمح لأي كان بحبسها في البحر الأسود وستتخذ تدابير رادعة لمنع حدوث ذلك.

وبالعودة إلى التاريخ لروسيا نضال تاريخي على المضيق وحروب ضخمة خيضت من أجله، ويشكل تصريح وزير الخارجية السوفيتي، أندريه غروميكو، مثالا لما يمكن أن تفعله موسكو حيث قال وقتها: " تهديد إغلاق مضيق البوسفور أمام السفن السوفياتية سيكون رده بتوجيه الصواريخ إلى اسطنبول التي لن يتبقى منها شيء".

أما مواقف الدول الغربية والولايات المتحدة سادها الصمت بشأن ما يخطط له أردوغان، معتبرين أن هذا المشروع قد يفيد حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال إمكانية السفن التابعة لدولها عبور القناة الجديدة إلى البحر الأسود دون التقيد بشروط اتفاقية مونترو، لكن من ناحية أخرى تتخوف واشنطن وبروكسل من سيناريو أخر هو أن تقوم أنقرة باستغلال المشروع لصالحها وجعله "شماعة" تفاوض به الجميع في الأوقات المصيرية، حيث ليس بعيدا عن أردوغان استخدام سياسة العصا والجزرة مع حلفائه، ومثالا لذلك قضية شراء منظومات "إس 400" الروسية وتقاذف التهديدات مع الناتو بشأن استخدامها والاعتماد عليها وخوف بروكسل من فعاليتها.

وبناءا على ما تقدم، تحاول تركيا تعزيز أوراقها في المنطقة خصوصا مع خفوت دورها في سوريا وليبيا، حيث يحاول أردوغان خلق مفاتيح جديدة تمنحه شروط جديدة للتفاوض في المنطقة مع مختلف القوى والدول معتمدا سياسة "العصا والجزرة" التي لطالما كانت من أساليبه المفضلة في جذب وإبعاد الحلفاء قبل الأعداء.

المقال يعبرعن رأي كاتبه

مناقشة