هل استوعب الغرب "رسالة بوتين الصغيرة"؟

انتهكت بريطانيا معاهدة البحار 1982، عندما قامت مدمرتها "ديفيندر" بدخول المياه الإقليمية الروسية بأسلوب استفزازي منسق مع حليفتها واشنطن بعد أيام من انعقاد قمة جنيف، تبع ذلك ردة فعل عقلانية من موسكو على هذا الانتهاك، فتحدث الرئيس بوتين بكلمات تحمل ضمنيا معان سامية لعلّ وعسى يفهمها الغرب.
Sputnik

قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس الأربعاء، بإجراء "الخط المباشر" مع المواطنين الروس، وتطرق من خلاله إلى بعض القضايا السياسية التي يحاول من خلالها الغرب العبث بما بقي من خيطان في علاقاته مع موسكو.

تاريخ أوروبي مهزوم

يبدو أن قادة الدول الأوروبيين لم يتعلموا من درس سلفهم "هتلر" عندما حاول العبث بعدّاد حياته والهجوم على الاتحاد السوفييتي آنذاك، فخسر في حرب طاحنة دفع السوفييت فيها الغالي والنفيس.. ولكنهم انتصروا.

الآن وصلت العلاقات الروسية الأوروبية إلى أدنى مستوياتها، ومع ذلك، ورغم كل الدبلوماسية الروسية لاحتواء الأزمة والمحافظة على "الود السياسي"، إلا أن الغرب لا يترك مناسبة إلا ويقوم فيها بمحاولة استفزاز دون أي مبرر لها، فحتى الحرب لن يكون قادرا على إتمامها في ظل القوة العظمى التي تمتلكها روسيا.

وهذا ما نوه إليه بوتين عندما تطرق لآخر محاولة استفزاز بدخول "ديفيندر" السافر في المياه الروسية، قائلا: "لا أعتقد قيام الحرب العالمية الثالثة فيما لو أسقطنا المدمرة، لأن أولئك الذين يفعلون هذه الاستفزازت يدركون أنهم لن يخرجوا منتصرين منها".

بوتين يعي تماما ما يقوله، ومن انتصر في الحرب العالمية العظمى لن يصعب عليه إعادة الانتصار في ثالثة ورابعة إن دعا الأمر، فلماذا لا تدرك القارة العجوز هذا الأمر، وتحاول الحفاظ على علاقات الجوار مع روسيا؟

الإصغاء لخرِف من البيت الأبيض

نشرت وسائل إعلام بريطانية مقالا عن إعجاب الشعب البريطاني بتصرفات الجانب الروسي وكيفية حماية روسيا لحدودها من غزو السفن الأجنبية.

وقالت بعض التعليقات في نهاية تقرير نشرته "ديلي ميل"، بأنه يجب ألا تسمح بريطانيا للأمريكيين بجرها إلى صراع محتمل آخر.

الرئيس بوتين يجسد "شعاره" في قمة جنيف مع بايدن
فيما علق شخص آخر: "إذا كان الخرف في البيت الأبيض يريد استفزاز روسيا كثيرًا، فلندعه يتصرف بمفرده".

يعتقد البريطانيون أن روسيا فعلت الشيء الصحيح واستجابت بشكل مناسب لاستفزاز لندن السافر.

يقول شخص آخر: "أنا لا ألوم الروس على أي شيء يفعلونه... هذه حدودهم ويجب حماية الحدود".

وهنا أيضا يجب الحديث عن "غضب أوروبا وأمريكا" من تدريبات الجيش الروسي على أرضه قريبا من الحدود مع أوكرانيا.. فالمنطق الأمريكي يُضحك بعض الشيء، حيث أن "روسيا لا يحق لها أن تحمي حدودها وتدرب جيشها ضمن أرضها، ولكن أمريكا يحق لها أن تنقل عناصرها على الأرض الأوكرانية"!!

هكذا دائما واشنطن، تحاول التدخل في أمور البلدان، هذه سياستها، وهنا تحاول إثارة الدول الأوروبية لاستفزاز روسيا، تحت حجة "خوفها" على مصالح أوكرانيا، في أن "القرم أرضهم".

ونذكر تكرارا أن القرم عادت إلى الحضن الروسي باستفتاء شعبي، وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موضوع القرم قد تم إغلاقه، وهو قرار عادل.

عبث أمريكي

صحيح أن حديث بوتين أمس كان في "الخط المباشر" مع الشعب الروسي، ولكن، ومن أجل حماية هذا الشعب من التفرقة التي تحاول بعض البلدان تنميتها، فقد وجه الرئيس رسائل مبطنة إلى كل دولة تحاول زعزعة الاستقرار الروسي والنيل من وحدة شعبه.

فالعقوبات ورغم كثرتها أثبتت فشلها، وزادت تصاعديا من أرقام موازنة روسيا، بل وعلى العكس من ذلك فإن أوروبا إذا زادت من تصعيدها فإنها ستقع في وضع صعب لن تخرج منه منتصرة أبدا، مثلما قال بوتين، مؤكدا أن روسيا واصلت النمو بغض النظر عن العقوبات التي تفرضها الدول الغربية والتهديدات التي تصدرها.

ويجب على الغرب أن يدرك أن أمريكها تقوده إلى التهلكة في حال تأزمت العلاقة مع روسيا، وأكبر دليل "انزعاجها واستيائها" ومحاولة عرقلة تركيب أنابيب "التيار الشمالي 2"، والفائدة التي ستجنيها أوروبا من خلاله، وفرض عقوبات على الشركة المنفذة، بالرغم من بعد أمريكا الجغرافي عن الموضوع ككل.

إعلام: فرار مقاتلة "إف 35 بي" من البارجة الروسية يشكل عارا على بريطانيا
نعود قليلا للمدمرة "ديفيندر" فقد سبقتها طائرة تجسس أمريكية انطلقت من اليونان بقصد مراقبة رد الفعل الروسي على ما تفعله السفينة البريطانية.

وقال بوتين: "كان هذا استفزازا بالطبع... كان من الواضح أن السفينة دخلت المياه قرب القرم أولا، لتحقيق أهداف عسكرية، ومحاولة استخدام طائرة استطلاع لمعرفة كيف ستوقف قواتنا مثل هذا الاستفزاز ولمعرفة ما الذي يعمل وأين وكيف تعمل تلك الأشياء وما هو موقعها".

وأكد بوتين أن روسيا أدركت الهدف من الأمر وردت بطريقة لا تمنح الطرف الآخر إلا المعلومات التي اعتبرتها موسكو ضرورية.

وأشار بوتين إلى أنه رأى بعدا سياسيا للواقعة التي حدثت بعد فترة وجيزة من لقائه بالرئيس الأمريكي جو بايدن في جنيف.

وأضاف: "الاجتماع في جنيف كان قد انعقد لتوه، فما الداعي لهذا الاستفزاز؟ وماذا كان الهدف منه؟ التأكيد أن هؤلاء الناس لا يحترمون اختيار شعب القرم بالانضمام لروسيا".

رسالة صغيرة

الولايات المتحدة ما زالت تحاول القيام بأي شيء للحفاظ على هيمنتها، ومن ثم هناك تهديدات وسلوكيات هدامة من خلال التدريبات العسكرية والاستفزازات والعقوبات.

وهنا شدد بوتين على أن عصر الهيمنة المطلقة انتهى وأن العالم يتغير بشكل جذري، وقال: "إذا تجاوزوا بعض الحدود، سنرد بشكل غير متكافئ وهذا الأمر سيكون حساسا بما يكفي لشركائنا".

الرئيس بوتين كان واضحا في تصريحاته، وإذا كان هناك من يترجم النوايا الروسية السليمة في الحفاظ على الجسور مع أوروبا على أنها ضعف، فهنا تكمن مشكلة كبيرة، وقد يصدمون برد سريع وقاس يرجعهم آلاف الأميال إلى الوراء كما أرجعت طلقات الأسطول الروسي التحذيرية مدمرتهم إلى ما خلف الحدود.

(المقال يعبر عن رأي كاتبه).
مناقشة