بعد قرارات الرئيس والانقسامات الداخلية... ما هو مصير حركة "النهضة" في المشهد التونسي؟

عصفت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد الأخيرة القاضية بتجميد عمل البرلمان بحركة "النهضة" التونسية، بعد أن تفاقمت الانشقاقات داخل صفوفها، وسط تساؤلات عن المستقبل السياسي للحركة التي فازت بنصيب الأسد من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لسنة 2019.
Sputnik

ويرى متابعون للمشهد السياسي في تونس أن التطورات الأخيرة قسمت ظهر حركة "النهضة" التي باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمراجعة سياستها وتعديل توجهاتها خاصة في ظل تنامي سخط التونسيين وحتى قياداتها على خيارات الحركة وطريقة إدارتها للأزمات التي عصفت بالبلاد.

الرئيس التونسي يؤكد استعداد بلاده لتوفير مروحية لإطفاء الحرائق في الجزائر

وكان 130 شابا من "النهضة" قد دعوا في بيان لهم القيادة الحالية للحركة إلى تحمل المسؤولية عن "التقصير في تحقيق مطالب الشعب التونسي وتفهم حالة الاحتقان والغليان" الناجمة عن الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير الناجعة للحزب وطريقة إدارته للتحالفات وللأزمات السياسية.

كما طالب هؤلاء بحل المكتب التنفيذي للحزب بشكل فوري، وتكليف خلية أزمة "قادرة على التعاطي مع الوضعية الحادة التي تعيشها تونس لتأمين العودة السريعة لنشاط المؤسسات الدستورية".

النهضة ما بعد 25 يوليو

في حديثه لـ "سبوتنيك"، قال المحلل السياسي إبراهيم الوسلاتي "إن حركة النهضة ما قبل يوليو/ تموز 2021 لن تكون هي ذاتها حركة النهضة ما بعد هذا التاريخ".

ويُرجع الوسلاتي هذه الانتكاسة أولا إلى قرارات الرئيس الأخيرة وخاصة منها المتعلقة بتجميد نشاط البرلمان الذي يمثل نقطة الارتكاز بالنسبة لحركة النهضة، بالنظر إلى ترؤس راشد الغنوشي لهذه المؤسسة التشريعية وهيمنة كتلته على قرارات مكتب البرلمان.

وأضاف: "أما السبب الثاني فهو الانشقاقات التي عصفت بصفوفها منذ بدأ الإعداد لانتخابات 2019، بعد الانقلاب على نتائج الاستشارة الجهوية المتعلقة بالقائمات المترشحة للانتخابات البرلمانية الأخيرة، والاستقالات التي طالت قيادات الصف الأول على غرار عبد الحميد الجلاصي ولطفي زيتون وزبير الشهودي ومحمد بن سالم وغيرهم".

واعتبر الوسلاتي أن أحداث 25 يوليو عمّقت الانقسامات في صفوف حركة النهضة، بين شق واسع ينادي بضرورة التماهي مع قرارات الرئيس وفتح قنوات الحوار معه، وبين شق ثانٍ يتزعمه الغنوشي يروّج لخطاب الانقلاب خاصة في الأوساط الخارجية.

وتابع: "هذا الخطاب فشل الشق الثاني من النهضة في ترويجه بعد أن اصطدم بردود فعل دولية لم تتعرض إلى الانقلاب بل طالبت باحترام المسار الديمقراطي والحقوق والحريات".

ويرى الوسلاتي أن راشد الغنوشي هو السبب الرئيسي في تدهور ثقة التونسيين وأنصار النهضة في الحركة نتيجة الخيارات التي اتبعها والتحالفات التي أبرمها، وأن انسحابه من الحركة قد يعطي نفسا جديدا لها وللمشهد السياسي في تونس.

وأضاف: "كان على الغنوشي الذي أصبح أقدم زعيم حزب في العالم بترؤسه للحركة على مدار أكثر من 4 عقود أن ينسحب من رئاسة الحركة منذ مدة وأن لا يترشح لرئاسة البرلمان بوصفه شخصية غير وفاقية تحظى بأقل نسبة من ثقة التونسيين (6 بالمائة)".

المتحدث باسم حركة النهضة: ارتكبنا أخطاء ولكننا حافظنا على الديمقراطية

ويتصور الوسلاتي أنه بإمكان حركة النهضة أن تعود إلى المشهد السياسي شريطة التماهي مع الإجراءات الجديدة التي تعتبر أن منظومة 2014 قد انتهت، وأن تجدد قياداتها بوجوه شابة لم تعش تجربة ما قبل 14 يناير 2011، وأن تمثل حجمها الطبيعي الذي لا يتجاوز 12 بالمائة من أصوات التونسيين، وأن تكون حزبا سياسيا تونسيا قلبا وقالبا.

وضع حرج للحركة

ويرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي فريد العليبي في تصريح لـ "سبوتنيك" أن حركة النهضة تمر بوضعية حرجة، نتيجة تغير التوازنات الداخلية والخارجية.

وأوضح: "حركة النهضة جاءت إلى السلطة السياسية في تونس سنة 2011 مستقوية خاصة بالعامل الخارجي الذي ينقسم إلى قسمين، قسم اقليمي يتمثل في تركيا وقطر والذي لا يزال وفيا لها، وقسم عالمي يتمثل في الاتحاد الأوروبي وأمريكا والذي يبدو أنه رفع عنها اليد".

وأشار إلى أن حركة النهضة لم تفقد فقط جزء من الدعم الخارجي وإنما أيضا المساندة الداخلية من التونسيين وحتى من أنصارها الذين عبروا في أكثر من مناسبة عن عدم رضاهم على أدائها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وقال إن عدم الرضا عن خيارات النهضة وأداءها تجلى خلال الاستقالات المتتالية التي عصفت بقياداتها، ومن خلال خروجها من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 بهزيمة مدوية، ومن خلال تراجع تمثيليتها في البرلمان من 98 نائبا سنة 2011 إلى 69 نائبا سنة 2014 إلى 52 نائبا سنة 2019، وصولا إلى مطالبة شباب الحركة بتغيير قياداتها.

وفي ظل التطورات الأخيرة، يرى العليبي أن ردود فعل حركة النهضة ستكون محكومة بشيء من البراغماتية خاصة وأن التجربة السياسية للغنوشي كشفت عن اعتماده لأسلوب المراوحة بين التشدد والمسايرة.

رفض برلماني لدعوة حركة النهضة تشكيل حكومة سياسية بقيادة المشيشي

وأوضح: "حركة النهضة تعلم جيدا أن اعتماد أسلوب المواجهة واستخدام الشارع ضد قرارات الرئيس لن يأتِ أكله وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، لذلك فهي ستحاول أن تنحني إلى العاصفة في انتظار تغير التوازنات السياسية، وهو ما تجلى من خلال إعلان الغنوشي عن استعداده لتقديم تنازلات".

ملفات قضائية خطرة

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي محمد بريك لـ "سبوتنيك"، إن: "الصراعات التي تعصف بحركة النهضة باتت تمثل تهديدا حقيقيا لمستقبلها السياسي، خاصة المتعلقة بخلافة رئيس الحركة راشد الغنوشي وحقيبته المالية التي في غيابها لن يكون للنهضة وجود سياسي قوي".

واعتبر بريك أن وجود الغنوشي على رأس الحركة أصبح مصدر خلاف مستمر بين قياداتها، والذي تبلور سابقا من خلال رسالة المائة قيادي الذين طالبوا بتسريع عقد المؤتمر القادم للنهضة وتخلي الغنوشي عن القيادة.

وبيّن أن أحداث 25 يوليو كشفت عن حجم الغليان الشعبي ضد حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي والذي ترجمته المظاهرات وأعمال العنف والتخريب التي طالت مقرات الحركة دون غيرها من المنشآت العمومية والخاصة.

واستطرد: "حتى لو عدلت حركة النهضة توجهاتها وغيرت قياداتها، فإن مصيرها سيكون رهين قبولها مجددا من الشعب التونسي ورهين حل الملفات القضائية المتعلقة بها، وأولها ملف التمويل الأجنبي والجهاز السري للحركة المتعلق باغتيال الشهيدين محمد البراهمي وشكري بالعيد، وملف القاضي البشير العكرمي المنسوب لها والمتورط في التستر على قضايا إرهابية، فضلا عن ملف تبييض الأموال".

ويرى بريك أن كشف ملابسات هذه القضايا قد يؤدي إلى الإطاحة بالعديد من قيادات حركة النهضة، وقد تعرّض الحركة إلى التجميد أو الحل قضائيا.

مناقشة