هل تنجح مبادرة "حمدوك" في إخراج السودان من دائرة "المجهول"

بعد أكثر من عامين على الإطاحة بنظام الرئيس السوداني عمر البشير، تفاقمت الخلافات وازدادت الأزمات والانقسامات إلى درجة وصفت "بالأخطر" في تاريخ البلاد.
Sputnik
فهل تنجح مبادرات حمدوك والوساطات في إعادة اللحمة الوطنية والخروج بالمرحلة الانتقالية إلى بر الأمان؟
بداية، يقول الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، الفريق دكتور جلال تاور، إن "الأحداث المتسارعة في البلاد تجعل من الصعوبة التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الغد القريب أو البعيد، لأن هناك حالة من التوتر والخلاف والشد والجذب".
وأشار في حديثه لـ"سبوتنيك"، إلى أن "الخلافات الحالية ليست بين المكوّن العسكري والمدني بقدر ما هو بين المكون المدني نفسه داخل قوات الحرية والتغيير، التي كانت تمثل الحاضنة الشعبية للحكومة بعد الثورة، وأكثر ما يهدد الثورة السودانية هى خلافات المدنيين فيما بينهم، حيث أن هناك قوة مشتركة كانت بينهم تسمى قوى الحرية والتغيير تتكون من 5 أحزاب رئيسية على رأسها، تجمع المهنيين والبعث ونداء السودان وبعض القوى الأخرى، ومن هنا نستطيع القول أن مشكلة المكون المدني هى في الخلافات والانقسامات، وهذا يشكل خطورة على الوضع السياسي في المقام الأول، أما ما يتعلق بالخلاف المدني- العسكري فلم يظهر إلا بعد المحاولة الانقلابية التي حدثت في سبتمبر/أيلول الماضي".
هل يشهد السودان تعديلا وزاريا خلال أيام؟
وأوضح تاور، أنه "لا يمكن الحديث عن سيناريو بعينه الآن، كل السيناريوهات مفتوحة الآن، رغم أن المجتمع الدولي يضغط من أجل الحوار والانتقال السلمي للسلطة، لكن التوتر والتجاذب الحادث الآن في الداخل السوداني يحتاج إلى نوع من الحكمة والعقلانية ووضع الأمور في نصابها لكي تخرج البلاد من الفترة الانتقالية المتبقية والتي لا تتجاوز عامان، لأن أي توتر جديد سوف يزيد من الفترة الانتقالية وبالتالي معاناة المواطن".   
من جانبه، يرى المحلل السياسي السوداني، الدكتور ربيع عبد العاطي، أن ما صرح به رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حول مبادرة للحل، لا يتعدى العبارات الإنشائية تم توجيهها بسخرية وتندر، لأن تشخيصه للأزمة بعيدا عن الوقائع والحقائق.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، "الأزمة السودانية هي أزمة حكم وضعف دولة و تردي الأحوال وتصدى شخصيات لا وزن لها للقيادة، وإزاء ذلك لم يكن خطابه إلا ذر للرماد للعيون، وما حدث من حشود اليوم سيقلب الطاولة على حمدوك وحكومته وستكون القاضية إن لم يفق مما يعانيه من غيبوبة عبر عنها خطابه الغريب".
وأشار المحلل السياسي إلى أن "ما ذكره حمدوك لا يمثل التشخيص الحقيقي للازمة وبالتالي يفتقر للمعالجات، التي لم يشملها خطابه، وفي اعتقادي أننا ندخل اعتبارا من اليوم مرحلة جديدة، السبب فيها الفشل الذريع لحكومة رئيس الوزراء، التي أهدرت عامين من الفترة الانتقالية و أذاقت الشعب ذلة و ضنكا لم يسبق له مثيل، ولم تكن القيادات التي توسل بها رئيس الوزراء سوى لصوص ثورات كما أسماها شركاؤهم الذين انشقوا عنهم وقادوا هذا الحراك الذي بين أيدينا".
وأوضح عبد العاطي ان الأزمة قد وصلت إلى مداها بين الشركاء من جانب، وعدم صبر الشعب من جانب آخر، ولابد من مرحلة جديدة تختلف كمّا ونوعا عن الصيغ الماضية من حيث شركاء الحكم، مشيرا إلى أن هناك ميثاق وقّع اليوم بين معظم القوى السياسية والأحزاب عدا حزب المؤتمر الوطني، ينص على ضرورة التوافق الوطني، خلاصته تنص على تأسيس القضاء وإكمال هياكله، تشكيل المحكمة الدستورية، إنشاء المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الإنتخابات، حل الحكومة وجميع هياكل الحكم وإعادة تشكيلها بما يضمن التوافق الوطني وسيادة حكم القانون
كان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إن الأزمة السياسية الحالية هي أخطر أزمة تهدد الانتقال المدني الديمقراطي بل وتهدد بلاده كلها تنذر "بشر مستطير".
السودان... "الحرية والتغيير" تؤكد دعمها لرئيس الوزراء
جاء ذلك في خطاب له، مساء أمس، تطرق خلاله للوضع السياسي الراهن في السودان، كاشفا النقاب عن خارطة طريق لتجاوز الأزمة، حسب وكالة الأنباء الرسمية (سونا).
وخاطب حمدوك السودانيين، قائلا: "تابعتم الأحداث الأخيرة في البلاد، والأزمة السياسية الحادة التي نعايشها الآن"، مضيفا: "لن أبالغ إذا قلت إنها أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال، بل وتهدد بلادنا كلها، وتنذر بشرٍّ مستطير".
وقال إن محاولة الانقلاب الفاشلة في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، كان يفترض أن تتحول "فرصة لتنبيه الجميع للخطر المُحدق ببلادنا"، وإقامة الجميع "سياج أمان للفترة الانتقالية وتقوم بتحصينها ضد كل المخاطر والمغامرات".
واستدرك حمدوك: "لكن بدلاً من ذلك، كانت تلك المحاولة هي الباب الذي دخلت منه الفتنة، وخرجت كل الخلافات والاتهامات المُخبأة من كل الأطراف من مكمنها، وهكذا نوشك أن نضع مصير بلادنا وشعبنا وثورتنا في مهب الريح".
وتطرق رئيس الوزراء السوداني إلى التضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوداني لنجاح ثورته، التي أسدلت الستار على نظام عمر البشير، مضيفا "لن نسامح أنفسنا أو يسامحنا التاريخ إن لم نحقق شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة، ونصل بالانتقال إلى نهاياته المرجوة".
ولفت إلى اجتماعات ولقاءات أجراها خلال الفترة الأخيرة مع جميع الأطراف "بغرض فتح أبواب للحوار وإيجاد القواسم المشتركة بين الأطراف ومعالجة الخلافات".
واعتبر أن جوهر الأزمة الحالية في السودان هو "تعذر الاتفاق على مشروع وطني متوافق عليه بين قوى الثورة والتغيير، يحقق أهداف الثورة وآمال السودانيين في الحرية والسلام والعدالة".
وأرجع هذا "التعذر" إلى حدوث "انقسامات عميقة وسط المدنيين ووسط العسكريين وبين المدنيين والعسكريين".
وأكد حمدوك على أن الصراع ليس بين المدنيين والعسكريين، بل "هو بين معسكر الانتقال المدني الديمقراطي ومعسكر الانقلاب على الثورة"، مشيرا إلى أن موقفه بوضوح هو "الانحياز الكامل للانتقال المدني الديمقراطي ولإكمال مهام الثورة".
ولخص حمدوك خلاصة نقاشاته مع أطراف الأزمة في "خارطة طريق" لتحويلها إلى "لفرصة يغتنمها شعبنا بما يعود عليه بالخير والاستقرار والنماء".
وتتضمن خارطة الطريق التي عرضها رئيس الوزراء السوداني في خطابه عدة عناصر أهمها: "ضرورة الوقف الفوري لكافة أشكال التصعيد بين جميع الأطراف والتأمين على أن المخرج الوحيد هو الحوار الجاد والمسؤول حول القضايا التي تقسم قوى الانتقال".
و"العودة للعمل بجميع مؤسسات الانتقال على أن توضع الخلافات في مواضعها الصحيحة وأن تدار من مواقع أخرى وبأساليب أكثر نضجاً والتزاماً بالمسؤولية وببوصلة واحدة هي مصلحة هذا الشعب واستقراره وتطوره".
ثالثا، ضرورة الاتفاق على أن قضايا مثل الإرهاب والمهددات القومية الداخلية وعلى الحدود أو من خارج الحدود "لا يجب أن تخضع لأي نوع من التكهنات أو المزايدات أو الشكوك في النوايا".
كما تضمنت "خارطة الطريق" التي عرضها حمدوك الابتعاد عن اتخاذ أي قرارات أو خطوات أحادية، و "عدم استغلال مؤسسات وأجهزة الدولة، التي هي ملك لجميع السودانيين، في الصراع السياسي".
وشدد على ضرورة أن تكون الوثيقة الدستورية هي مرجعية التوافق بين مكونات السلطة الانتقالية.
و"الوثيقة الدستورية" هى  تلك التي صياغتها بناء على اتفاق تقاسم السلطة الذي تم التوصل إليه بين المكون المدني والعسكري في السودان في يوليو/تموز 2019 وتحدد الأسس التي ستسير عليها المرحلة الانتقالية وصولا إلى إجراء انتخابات.
معلنا "خارطة طريق".. حمدوك: الأزمة السياسية تهدد السودان وتنذر "بشر مستطير"
وشدد رئيس الوزراء على ضرورة إنهاء كل أنواعه الشقاق بين مكونات الحرية والتغيير (المكون المدني)، بهدف "توسيع قاعدة الانتقال".
وتابع حمدوك وفق لخارطته: "تظل العدالة الانتقالية هي الوسيلة الأمثل التي بموجبها تتحقق رغبات الضحايا وأسرهم، دون إغفال الأثمان السياسية والمادية والقانونية التي يجب أن تُدفع في سبيل ذلك".
وكانت الخلافات بين جناحي الحكم في السودان المكون المدني والعسكري قد تفاقمت مؤخرا على خلفية الأزمة في شرق السودان، وإغلاق ناظر البجا محمد الأمين ترك وأنصاره موانئ وطرق شرقي السودان ما قاد إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وتعذر نقل الوقود والأدوية والمواد الغذائية الأساسية.
ويتهم المدنيون المكون العسكري بمساندة كيانات شرق السودان في التصعيد ضد الحكومة بهدف إضعافها، وهو ما ينفيه المكون العسكري الذي يرى أن الحكومة الانتقالية هي المسؤولة عن الأزمة.
وكانت الأزمة قد بدأت بين شركاء الحكم الانتقالي، على خلفية مواقف الأطراف من محاولة انقلاب عسكري فاشلة شهدتها البلاد في 21 سبتمبر/أيلول الماضي.
وتسببت الأزمة في تعطيل عمل البرلمان المؤقت ومجالس السيادة والأمن والدفاع، على خلفية تراشق لفظي بين المكون العسكري والمدني، بحسب موقع "سودان تربيون".
مناقشة