استئناف عملية صياغة مسودة الدستور السوري... ما الجديد هذه المرة؟

في خطوة جديدة لحلحلة الوضع السياسي في سوريا، أكد المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، أنه تم الاتفاق بين الأطراف السورية، على البدء بعملية صياغة مسودة الإصلاح الدستوري في سوريا، الأسبوع الجاري.
Sputnik
وقال بيدرسون، في مؤتمر صحفي، عقب اجتماعه مع المبعوث الحكومي والمعارضة، أمس الأحد، إن "الرئيسين المشاركين (الممثلين عن الحكومة والمعارضة) يتفقان على أننا لا نقوم فقط بالإعداد للإصلاح ولكن للبدء بالصياغة أيضا.. سنبدأ هذا الأسبوع بعملية صياغة مسودة الإصلاح الدستوري لسوريا".
بيدرسون: الاتفاق على بدء عملية صياغة مسودة الإصلاح الدستوري في سوريا هذا الأسبوع
وأضاف: "أعتقد أن هناك مبادئ واضحة ستناقش (خلال اجتماع جنيف) واتفقنا على وضع 4 عناوين ويتم صياغة نصوص تناقش خلال هذا الأسبوع".
وقال مراقبون إن عقد لقاء صياغة الدستور يأتي في ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأوضاع في سوريا، لا سيما من سيطرة الدولة على الكثير من أراضيها، مؤكدين في الوقت نفسه أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة الوصول إلى نتائج فيما يتعلق بخطوة الدستور.
وكانت لجنة مناقشة الدستور اختتمت جولة خامسة في مقر الأمم المتحدة في جنيف في 29 من يناير/كانون الثاني، وهي الجولة التي انتهت كسابقاتها دون إحراز تقدم يذكر.
واقع جديد ولكن
بدوره قال الدكتور أسامة دنورة، الخبير السياسي السوري، وعضو الوفد الحكومي السابق المفاوض في جنيف، إن الانزياحات الهامة في المواقف التي تحيط بالوضع السوري تبدو اليوم وكأنها تعكس أجواء أكثر ملاءمة لدفع ما يتعلق بالحل السياسي إلى الأمام، فقد أصبح من الواضح أن الحلول الصفرية التي طالما حاول أعداء سوريا فرضها على الشعب السوري كخيارات مستقبلية أصبحت من الماضي.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، اليوم لا رؤى مسبقة أو شروط تتعلق بشكل النظام السياسي يمكن لها أن تأتي من الخارج وتُفرض على الدستور أو نمط الحكم، كما أن منظور التفاوض تحت وقع التهديد العسكري الإرهابي قد سقط هو الآخر بعد أن تهاوت معاقل الإرهاب الواحد تلو الآخر، وكان آخرها تحرير محافظة درعا القريبة من العاصمة دمشق.
وتابع: "يبدو المشهد اليوم وكأن بيدرسون يسعى لترجمة الأجواء الجيوبوليتيكية والاستراتيجية الجديدة التي تحيط بالوضع السوري إلى مفردات سياسية عملية تدفع عمل اللجنة الدستورية إلى الأمام، وفي هذا الإطار يبدو الأمريكي اليوم كمن يبحث عن أي تطور على ساحة الحل السياسي بحيث يتمكن من اعتماده كعنوان يتيح له سحب السياسات القديمة التي تعود للعقد السابق (بما فيها سياسات العزل الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية أحادية الجانب)، وطرح سياسات جديدة تلائم الواقع، وتقرأ جيدًا دروس الفشل في إسقاط دمشق التي تحدث عنها علناً الملك عبد الله الثاني".
أمريكا غير راضية عن عدم إحراز تقدم في تشكيل اللجنة الدستورية السورية
من جانبٍ آخر – والكلام لا يزال على لسان دنورة- فإن التفكير المنطقي يدفع للاستنتاج بأن التركي هو الآخر يبحث عن عنوان سياسي مناسب يتيح له إنهاء تورطه الذي أصبح مسدود الأفق على الساحة السورية، وهذان المتغيران في القراءة الأمريكية والتركية للوضع في سوريا قد يجدان انعكاساً لهما يترجم في تغيير سلوك وفد المعارضة الذي يلعب الخارج دوراً أساسياً في تحريكه والتأثير عليه.
ويرى المحلل السوري أن على الرغم من ذلك كله فالنتائج لا تزال غير مضمونة إن كان على المستوى الاستراتيجي الدولي - الإقليمي، وإن كان على المستوى الإجرائي، فمنح الضوء الأخضر إلى وفد المعارضة للمضي في نقاش جدي حول الدستور لا يعني بالضرورة أن هذه العملية التفاوضية لن تبقى ساحة للتوظيف السياسي وممارسة الضغوط من قبل الدول المحركة لوفد المعارضة.
وأكد أن هذا الأمر قد يتضمن شتى أنواع العرقلة والتعطيل كأسلوب للضغط السياسي بالوكالة، وقد يتضمن أيضاً محاولة وضع مواد وصياغات دستورية تلائم الأجندات الخارجية التي تسعى لتمرير تركيبة تكرس الخلافات والانقسامات والضعف في الحياة السياسية، بما يمكن أن يذكّر بمصطلحات كـ "اللبننة" و"العرقنة" ، وبما يعني في السياق الجيوبوليتيكي تكريس التفكك والاضطرابات المزمنة كمعطى دائم في الحياة السياسية لدول شرق المتوسط كبديل عن الاحتلال أو التقسيم.
حل سياسي مطلوب
من جانبه اعتبر فريد سعدون، المحلل السياسي السوري، أن رغم التصريحات التي تنم عن تفاؤل حذر بتجاوز عتبة الجدار الصلد الذي يكبح أي ملامسة لحدود المشكلة الدستورية ومعالجتها، فلا يمكن الاعتقاد بأنه سيكون هناك اختراقات واضحة في الجمود الذي رافق مسيرة اللجنة الدستورية منذ تأسيسها إلى الآن، وخاصة أن اللجنة لم تستطع مبدئيا أن تتوصل إلى جدول عمل متزامن ومتفق عليه كي تنطلق بشكل جدي لوضع البنود ومناقشتها.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، هذا فضلا عن أن الحكومة قد تنصلت مسبقا من الاعتراف بأي مخرجات لعمل اللجنة إذا لم تتوافق مع رؤاها للحل عندما صرحت بأن اللجنة التي شكلها لا تمثلها بالمعنى الحرفي بل هي فقط (تدعمها)، وكذلك تصريحات وزير الخارجية السابق بأنهم سيغرقون اللجنة بالتفاصيل، إلى جانب ذلك فإن وفد المعارضة لا يمثل إرادة الشعب كونه غير منتخب أو على الأقل معترف شعبيا، فضلا عن أنه يخضع لهيمنة جهة إقليمية من أولوياتها أخذ مصالحها بالحسبان، وهناك اعتبارات أخرى يجب وضعها بالحسبان وهي مناطق النفوذ التي ما زالت أجزاء منها غير ممثلة باللجنة.
لافروف وبيدرسون يبحثان الوضع في سوريا وعمل اللجنة الدستورية
وأكد على ضرورة أن يكون في الحسبان أن كتابة الدستور لا يعني مطلقا تنفيذه على الأرض، إذ يحتاج ذلك إلى حل سياسي مستدام واستقرار وحل الميلشيات وانسحاب القوات الأجنبية وإجراء انتخابات تشريعية وغيرها من مستلزمات التهيئة والتمهيد، وبالتالي فإن الاتفاق على الحل السياسي هو الذي من المفترض أن يسبق كتابة الدستور، وهذا الحل مرتبط بتوافق الدول التي تتدخل بشكل مباشر في الأزمة السورية وبعضها تحتل أجزاء من سوريا أو تنشر قواتها العسكرية وميليشياتها على الأرض السورية.
ويرى سعدون أن أي حل سياسي سيكون حتما له علاقة بمراعاة مصالح هذه الدول، وإلى الآن نلاحظ أن الخلافات بين هذه الدول تتعمق، وتتفاقم كما هو الحال بين تركيا وروسيا، أو بين أمريكا وإيران، وأحيانا تكون هذه الخلافات سببا للعمليات العسكرية المباشرة، وإذا أشرنا إلى أن اللجنة الدستورية لا تستطيع أن تعمل باستقلالية تامة عن تأثير هذه القوى الدولية، فإن ذلك يؤكد أنها أيضا لن تنجح في البدء بأعمالها بشكل جدي دون توافقات مبدئية بين هذه الدول.
وتابع: "وفق الظروف الراهنة فإنه لا مؤشرات حقيقية على شيء من هذه التوافقات، ورغم زيارة بيدرسون إلى دمشق ولقائه مع وزير الخارجية إلا أن مضمون اللقاء تركز أكثر على الجانب الإنساني، وموافقة دمشق على عقد الجولة السادسة في جنيف ولكن دون التفاهم حول أي بنود أساسية للدستور، ورغم الحديث عن أن هذه الجولة ستكون مفيدة إلا أنها لن تشكل انطلاقة حقيقية ما لم تضع جدول عمل وفق ترتيب زمن محدد للإنجاز، حيث أن الهوة ما زالت عميقة بين طروحات المعارضة والحكومة ، وليس هناك أي تقارب في الرؤى حول شكل الدولة والحكم والنظام السياسي، هذا عدا عن التفاصيل التي ستشغل اللجنة دون جدوى".
وكان المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، قد أعلن نهاية الشهر الماضي، عن موعد انعقاد الاجتماع المقبل للجنة الدستورية السورية، في العاصمة السويسرية جنيف.
>> يمكنك متابعة أخبار سوريا اليوم مع سبوتنيك.
مناقشة