ملايين الوظائف شاغرة... لماذا تعاني بعض الدول من نقص حاد في العمالة بعد التعافي من الوباء؟

طالت تداعيات الوباء الاقتصاد في جميع أنحاء العالم، ولم تقتصر على الصحة العامة للبشر، وبدأت تتجلى النتائج حاليا في الأزمة التي تضرب قطاع الطاقة واضطرابات سلسلة التوريد ونقص العمالة، التي تمثل مشكلة كبيرة للشركات في جميع أنحاء العالم.
Sputnik
في ظل تسارع الأنشطة الاقتصادية حول العالم، أصبحت التغيرات في سوق العمل أكثر وضوحا، بعدما تخلى العديد من الأشخاص طواعية عن وظائفهم في ظل تزايد الطلب على العمال مع إعادة فتح الاقتصادات، بحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي".
فوضى تضرب سلاسل التوريد العالمية... والأزمة على وشك أن تزداد سوءا
يرجع الاقتصاديون نقص العمالة إلى التغييرات في التركيبة السكانية مثل الشيخوخة والتقاعد، فضلا عن ضوابط السفر والهجرة، والمطالبة بتحسين الأجور وترتيبات العمل المرنة.
أظهر أحدث استطلاع شهري للوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة الأمريكية، صدر الأسبوع الماضي، أن هناك 10.4 مليون وظيفة شاغرة في أغسطس/ آب، فيما ارتفع عدد الأشخاص الذين تركوا وظائفهم إلى 4.3 مليون.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست خاصة بأمريكا، إذ تكافح دول عدة نقص العمالة، والذي يؤدي إلى تفاقم اضطرابات سلسلة التوريد في جميع أنحاء العالم، حيث تكافح الصناعات الرئيسية لاستعادة الزخم بسبب نقص العمال أو المواد الخام.
يؤدي هذا بدوره إلى تعطيل شبكات الإنتاج والإمداد المحلية والعالمية، وبالتالي يعيق ذلك النمو الاقتصادي ويتسبب في نقص المنتجات والخدمات للمستهلكين، ويترتب عليه ارتفاعا في الأسعار.
يحاول المحللون تقييم التأثير المحتمل لنقص العمالة على الاقتصادات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو. ومع ذلك، فرغم أن الوباء زاد من حدة الأزمة، فإن جذورها تعود إلى ما قبل الجائحة.
قال اقتصاديو مصرف "آي إن جي" الاستثماري الهولندي في مذكرة، إن نقص العمال المهرة ليس مجرد عرض آخر لاقتصاديات ما بعد الإغلاق فحسب، بل يعتبر كذلك نتيجة لمزيد من التطورات الأساسية في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة.
في سوق العمل الأمريكي، أشاروا محللو "آي إن جي" إلى أن الاقتصاد استرد بشكل كامل الجزء المفقود من الناتج المحلي الإجمالي خلال الوباء، رغم أن العمالة لا تزال أقل بنحو 5 ملايين موظف من مستوى فبراير/ شباط عام 2020.
أسعار الذهب... توقعات الأسعار وأهم العوامل المؤثرة
ومع ذلك، لا يرجع هذا إلى نقص طلب العمالة نفسها، حيث أن هناك أكثر من 10 ملايين وظيفة شاغرة حاليا موزعة بين مختلف القطاعات مع زيادة الشركات التي ترفع رواتبها لمحاولة جذب الموظفين إلى مستوى قياسي.
يشير "آي إن جي" إلى أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه الظاهرة هو أن الأسر ادخرت احتياطيات مالية وليس لديها في الوقت الحالي أي حاجة ملحة للعودة إلى العمل، ومع ذلك فإن المشكلة قد تكون هيكلية أكثر من ذلك.
وقال الخبراء إنه ربما تكون هناك تراجع في العمال مدفوعة بارتفاع معدل التقاعد المبكر بين الموظفين الأكبر سنا، حيث لم تعد فكرة العودة إلى مقار العمل والتنقل بشكل يومي (من المنزل إلى العمل والعكس) خاصة بعد مكاسب أسواق الأسهم التي عززت برامج المعاشات التقاعدية.
لكن أيضا مع إغلاق الحدود وتباطؤ نمو المواليد، تقل أعداد العمال الشباب المتاحين للدخول إلى صفوف القوى العاملة. ووفقا للمصرف الهولندي، فإن ذلك قد يعني استمرار النقص في سوق العمل لفترة أطول مما يتوقعه البنك المركزي الأمريكي، ويترتب عليه عرض الشركات أجور أكبر لجذب الموظفين.
ليس ذلك فحسب، فمع ارتفاع معدلات الاستقالة من الوظائف، تضطر الشركات أيضا إلى رفع الأجور للاحتفاظ بالموظفين الذين يتحملون أعباء مغادرة زملائهم، ويشير هذا إلى تفاقم الضغوط التضخمية والذي قد يعني رفع الفائدة في وقت أقرب وأسرع من المتوقع.
تأزم الوضع أيضا في المملكة المتحدة بسبب انسحاب البلاد من الاتحاد الأوروبي، حيث عاد العديد من العمال الأجانب الذي تعتمد عليهم بريطانيا إلى ديارهم خلال الوباء.
وغاب العمال بشكل ملحوظ في صناعات حيوية مثل إنتاج اللحوم والزراعة والنقل، وخلق هذا النقص ذعرا لدى المستهلكين في الفترة الأخيرة، حيث تسبب في نقص الوقود بمحطات الوقود وأطلقت تحذيرات من إمكانية إعدام آلاف الماشية.
مع التحرر من الوباء... أزمة طاقة تضرب الصين وتضع الاقتصاد العالمي في ركن الزاوية
واضطرت الحكومة البريطانية إلى منح التأشيرات المؤقتة لسائقي الشاحنات والعاملين في مزارع الدواجن، وأشارت التقارير إلى ارتفاع الأجور بهدف جذب العمال إلى قطاعات مثل الضيافة.
ويأتي ذلك وسط مخاوف واسعة النطاق بشأن ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، وتحديدا المنتجات الغذائية قبل عيد الميلاد.
بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، جعلت قواعد التأشيرة من الصعب على سكان الاتحاد الأوروبي العمل بالوظائف منخفضة الأجر في المملكة المتحدة، وهي مشكلة يقول مصرف "آي إن جي" إنها ستكون "دائمة".
 وأشار الخبراء إلى أن التغييرات التي طرأت أخيرا على التأشيرات المؤقتة لبعض الوظائف بعينها، بما في ذلك سائقي الشاحنات، من غير المرجح أن تحدث فرقا كبيرا في هذه المشكلة.
ولفتوا إلى أن المملكة المتحدة تواجه عقبات هيكلية، تتمثل في تباطؤ النمو السكاني (تحديدا في فئة المواطنين بسن العمل) خلال العقد المقبل، ما سيترتب عليه في النهاية تفاقم المشاكل الحالية ويؤدي بدوره إلى التأثير على النمو الاقتصادي المحتمل.
حاولت منطقة اليورو، مثل المملكة المتحدة، تقليل الخسائر الفادحة في الوظائف بسبب الوباء عبر برامج تحفيز، لدعم العمال ووقف عمليات التسريح.
ويبلغ معدل البطالة الآن نحو 7.5%، وهو أعلى بنحو 0.4% فقط عن أدنى مستوى له على الإطلاق، والمسجل في مارس/ آذار من العام الماضي، وفقا لـ"آي إن جي".
ومع ذلك، ورغم أن مخاوف نقص العمالة ظهرت متأخرة عن الولايات المتحدة وأقل إلحاحا مما هي عليه في المملكة المتحدة، فإنه بات يُشار إليها بشكل متزايد على أنها مصدر قلق للشركات، وفقا للمصرف الهولندي.
ختم الخبراء مذكرتهم بالقول، إن الشركات تشير أكثر مما مضى إلى العمالة كعنصر يحد من الإنتاج، ولا تزال القوى في قطاع الخدمات أقل من المستويات المرتفعة تاريخيا.
مناقشة