"الليرة" من لبنان إلى تركيا أزمة مشابهة ومصير واحد

تمكنت تركيا خلال السنوات الأخيرة من جذب أنظار العالم بسياستها المالية المرنة وأساليبها غير العادية بمحاربة التضخم المالي، ما مكن الاقتصاد التركي من الصمود لسنين، وذلك من خلال السياسة النقدية المتبعة عن طريقة زيادة الضرائب التصاعدية وزيادة الديون الخارجية عليها.
Sputnik
في أوائل القرن الحادي والعشرين، دخلت تركيا عهدا جديدا مع وصول الرئيس رجب أردوغان إلى رئاسة الحكومة التركية أطلق خلالها مسارًا اقتصاديًا جديدًا سماه البعض بالـ" المعجزة الاقتصادية التركية"، حيث ربط الاقتصاديون هذا الحدث بدورة النمو الاقتصادي التي وصلت مع قدوم أردوغان إلى السلطة، إلا أن المفاهيم الاقتصادية تكشف أن هذا النمو بدأ قبل 20 عاما، وأوصل البلاد إلى طفرة في الاستثمارات من خلال تدفق رأس المال الخارجي ونمو القروض الأجنبية.
الليرة التركية
سقوط وفشل "المعجزة الاقتصادية التركية"
واعتمدت تركيا خلال فترة النمو الاقتصادي على تطوير قطاع السياحة والإعمار والبناء التي تعتبر قطاعات رئيسية ومساهمة بالطفرة الاقتصادية التركية، حيث استطاعت أنقرة رفع ناتجها المحلي الإجمالي بأكثر من 5% سنويًا، ما انعكس على ارتفاع مستوى المعيشة في البلاد بشكل ملحوظ.
حققت الحكومة التركية برئاسة أردوغان في السنوات الأولى استقرارا في نسبة التضخم وانخفضت أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت السلطات بنشاط في تطوير البنية التحتية، وجذبت رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد. كل ذلك كان له تأثير هام على التطور الاقتصادي في البلاد.
سعت تركيا بسياستها النقدية إلى توسيع الانفتاح على الخارج، وتجلى ذلك من خلال السماح للاستثمارات الاجنبية بالعمل في الداخل ما عرض تركيا لمخاطر مرتبطة بتأثير النقد الأجنبي على الاقتصاد الداخلي الصرف الأجنبي. لكن مع بداية العام 2018 بدأت "المعجزة الاقتصادية التركية" تتباطئ نوعا ما وما سرع بإفشالها التدخلات السياسية والعسكرية التركية في سوريا الذي كان له تأثيرا كبيرا نتج بدوره عن ارتفاع قياسي بالتضخم وزيادة الديون وانخفاض قيمة الليرة التركية.
مشروع "قناة اسطنبول"... عصا جديدة بيد أردوغان لجذب أنظار العالم
وكان لانتشار فيروس كورونا المستجد وتفشيه أثر كبير على الاقتصاد التركي، وبادر المصرف المركزي التركي على تخفيض معدل الفائدة تدريجيا من 19% في أغسطس/آب الماضي إلى نحو 14% في ديسمبر/ كانون الأول بالرغم من تجاوز التضخم نسبة 21% ما أدى إلى أزمة مالية سلبية كانت سببا مباشرة بهروب الاستثمارات المالية من البلاد وعجل بانخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية وصل إلى 18 ليرة تركية للدولار الواحد.
وفي السياق نفسه، يعتبر الكثير من المحللين الأتراك أن للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تأثير مباشر على العملة الوطنية التركية وتجلى ذلك من خلال تدخلاته المستمرة في السياسة النقدية للمصرف المركزي وصولا إلى صلاحية إقالة حاكم المصرف ونوابه. ويعتبر أردوغان أن الهدف الرئيسي من سياسة خفض سعر الفائدة هو توفير وتدفق الأموال النقدية في الاقتصاد التركي لدعم الاستثمار، مشيرا إلى أن ضعف سعر صرف الليرة التركية يساهم بدعم الصادرات. هي الخطوة يتخذها أردوغان من تجارب حدثث في العديد من الدول كالصين ودول جنوب شرق آسيا التي تطبق سياسة إضعاف العملة الوطنية لدعم الصادرات وتحريك الأسواق.
العملة اللبنانية "الليرة"
الليرة التركية واللبنانية..أزمة مشابهة ومصير "الليرة" واحد
ما يجمع لبنان وتركيا لا يقتصر على تسمية العملة الوطنية بل يتعداه إلى عوامل مشابهة في البلدين خلال العقود والسنوات الأخيرة وأبرزها على صعيد السياسة النقدية من خلال تأثير التدفقات النقدية الصعبة الخارجية إلى اقتصاد هاتين الدولتين، حيث شهدت بيروت وأنقرة إبان الأزمة العالمية المالية جذبا كبيرا للرساميل، وذلك بسبب معدلات الفائدة المريحة والجيدة للمستثمرين.
لكن مع مرور السنوات والتغيرات الطارئة على المشهد السياسي الإقليمي في المنطقة، بدأت الضغوط المالية على الدولتين تشتد من خلال نزوح الرساميل، كما ساعدت عوامل عودة الأسواق المالية المتقدمة من خلال رفع معدلات الفوائد إلى جذب الأموال والرساميل والمستثمرين من لبنان وتركيا وغيرها.
الأكيد بعد كل هذه الأحداث، مرور تركيا ولبنان بأزمة مماثلة متعلقة على نحو مشابه بالتحويلات المالية إلى الخارج، ومنذ ذلك الوقت كان بالإمكان رصد السياسات النقدية المتطرفة والمتناقضة التي تم اعتمادها في البلدين للتعامل مع هذا الوضع.
المقال يعبرعن رأي كاتبه
مناقشة