الرئيس التونسي أمام رهان الحصول على الدعم الدولي والاتفاق مع اتحاد الشغل

باتت الرهانات المطروحة أمام الرئيس التونسي قيس سعيد كبيرة، فإلى جانب الحصول على الدعم الدولي لإخراج البلاد من أزمتها الراهنة، فإن ساكن قصر قرطاج مطالب أيضا بالوصول إلى اتفاق مع اتحاد الشغل.
Sputnik
فهذا الطرف النقابي الرئيسي الذي يمتلك قاعدة شعبية كبيرة قادرة على إيقاف دواليب الدولة ومؤسساتها، وضع أمس خلال اجتماع هيئته الإدارية ثلاثة خطوط حمراء أمام الرئيس والحكومة، الأول يتعلق برفض برنامج الإصلاحات المسرب الذي تنوي الحكومة عرضه على صندوق النقد الدولي وعلى الجهات المالية المانحة، والثاني يتصل بقانون المالية الذي يرى الاتحاد أنه صيغ بطريقة منفردة، والثالث يهم المنشور الحكومي عدد 20 الذي يقيد مسألة التفاوض النقابي بالحصول على إذن من الحكومة، والذي لوح الاتحاد بتنفيذ سلسلة من الإضرابات إذا لم تتراجع الحكومة عنه.
عودة حركة العبور جزئيا بين تونس والجزائر
احتجاج نقابي
وفي الصدد، عبر الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي، في تصريح لـ "سبوتنيك"، عن امتعاضه من عدم إشراك الاتحاد في صياغة قانون المالية لسنة 2022، وقال إن رئاسة الحكومة ووزارة المالية لم تتعاونا مع المنظمة الشغيلة في صياغة مقترحات هذا القانون.
واعتبر الشفي أن هذا القانون لم يخرج عن سياق القوانين السابقة التي لم تتضمن انحيازات اجتماعية جديدة كان ينتظرها الشعب منذ سنوات أو إعادة توزيع الثروة بشكل مختلف عما كان سائدا، واصفا إياه بأنه "وثيقة محاسبة".
وشدد على أن معالجة انخرام المالية العمومية لا يجب أن تكون على حساب الأجراء والفقراء والبسطاء، وأنه لا بد من إيجاد طرق أخرى لتمويل المالية العمومية عبر البحث عن الأموال في جيوب الأثرياء بعيدا عن جيوب الفقراء التي أنهكتها السياسات الاجتماعية، وفقا لقوله.
وأضاف: "لم يقع تشريكنا في بلورة برنامج الإصلاحات التي ستقدمها الحكومة لصندوق النقد الدولي أو للجهات المالية الأخرى المانحة، والاتحاد لن يساوم في الثوابت التي لطالما دافع عنها، ومن أهمها عدم المساس بالمنشآت العمومية في اتجاه التفويت فيها وبيعها، كما أن مسألة تجميد الأجور بين سنتي 2022 و2024 خط أحمر لن نقبل بتجاوزه، على اعتبار أن القوى العاملة في تونس التي مازالت تتكبد خسائر فادحة في قوتها وفي قدرتها الشرائية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقبل تحميلها هذه الأزمة".
وشدد الشفي على رفضه المطلق لمحتوى المنشور عدد 20 المتعلق بالتفاوض مع الاتحاد، مؤكدا أن المركزية النقابية ستتخذ جميع الطرق المشروعة لإسقاط هذا المنشور والدفاع عن مكاسب الشعب بما فيها الإضراب العام.
دعم دولي مشروط
ويرى المدير العام الأسبق لمركز الدراسات الاستراتيجية، طارق الكحلاوي، في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن الرئيس التونسي وُضع أمام ثلاثة تحديات مهمة، وصفها بالصعبة والمعقدة.
وقال إن الرهان الأول يتعلق بالوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو اتفاق مشروط ببرنامج إصلاحات يراها الصندوق مهمة تتعلق أساسا بتجميد الأجور وخصخصة بعض المؤسسات العمومية الخاسرة.
وتابع "لكن الملف الأهم هو كيفية التصرف في الدين العام الذي بلغ مستوى غير قادر للدفع، وهو ما قد يؤدي بالصندوق إلى المطالبة بإعادة هيكلة الدين العام وبالتالي التوجه إلى نادي باريس".
النيابة التونسية تحيل الغنوشي والقروي والشاهد إلى القضاء
ولفت الكحلاوي إلى أن الرهان الثاني يتصل بالجانب السياسي، موضحا: "صحيح أن صندوق النقد الدولي ليس طرفا سياسيا ولكن الأطراف الدولية الأعضاء في مجلس إدارته تشترط وجود ضمانات لخارطة الطريق التي أعلن عنها رئيس الجمهورية".
ويعتقد الكحلاوي أن هذه الأطراف الدولية قد تضع هذه الضمانات كشرط أمام السلطات التونسية للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
أما الرهان الثالث، فيتعلق بموافقة الأطراف الاجتماعية على هذه الإصلاحات وهو شرط وضعه صندوق النقد الدولي.
وقال الكحلاوي: "لكن اتحاد الشغل صرح بوضوح أنه يرفض رفضا قاطعا تنفيذ هذه الإصلاحات التي يراها مجحفة اجتماعيا".

ويرى الكحلاوي أن ما يقلق اتحاد الشغل هو إخراجه من اللعبة السياسية التي كان طرفا رئيسا فيها خلال عشر السنوات الأخيرة، قائلا "لكن من ناحية أخرى فإن الاتحاد لا يريد أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع الرئيس مثل حركة النهضة".

وأشار إلى أن بيان الهيئة الإدارية أمس أكد عدم رفض الاتحاد لخارطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس، وأن ما يهم الاتحاد هو القطع مع الاتفاقات المنفردة والمطالبة بدوه في الحوار الوطني.
باب الحوار مفتوح
ويتفق المحلل السياسي فريد العليبي فيما ذهب إليه الكحلاوي من أن الاتحاد لا يعارض خارطة الطريق التي صاغها رئيس الجمهورية، وأن مطلب المركزية الأساسية الموكول للرئيس الاستجابة له هو توفير جملة من الشروط التي تقتضيها الملفات الاجتماعية، وتغيير أسلوب التفاوض بعيدا عن المنشور الحكومي عدد 20.
وعلى عكس الكحلاوي، يرى العليبي أن فتح باب الحوار بين اتحاد الشغل والرئيس قيس سعيد لن يكون صعبا، خاصة وأن رئاسة الجمهورية عبرت عن استعدادها للتفاوض مع الاتحاد، وهو ما عبر عنه وزير الشؤون الاجتماعية في لقائه الأخير مع الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي.
وأضاف "رئيس الجمهورية يتحرك في مربع الإمكان، فهو محكوم بأزمة مالية واقتصادية كبرى بات الخروج منها رهين الحصول على دعم الجهات الدولية المانحة".
ويرى العليبي أن الرئيس التونسي لن يجد صعوبة كبرى في الحصول على الدعم الدولي سواء العربي أو الأجنبي، خاصة وأن العديد من الجهات الخارجية على غرار الجزائر والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي عبرت عن مساندتها ولو جزئيا لمسار 25 يوليو/ تموز.
وقال إن "هذا الدعم كان مشروطا بتسقيف زمني وبخطة تحافظ من خلالها الدولة التونسية على المكاسب الديمقراطية وعلى الانتخابات، وهو ما استجاب له الرئيس من خلال الإعلان عن خطة طريق وانتخابات في أواخر كانون الأول 2022".
وختم العليبي القول بأن الرئيس التونسي سينجح في ضمان الدعم الدولي والنقابي (اتحاد الشغل)، خاصة وأن هذه الأطراف تتفق مع الرئيس في الوقوف أمام عودة الإسلام السياسي وحلفائه إلى الحكم.
مناقشة