تونس تترقب اتفاقا مع صندوق النقد الدولي ينقذها ماليا

بدأت تونس، الاثنين، مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الدولي بهدف الحصول على قرض يقدر بنحو 4 مليار دولار (12 مليار دينار) وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد سمير سعيد.
Sputnik
تستمر هذه المفاوضات على مدار أسبوعين، وسيمكن الاتفاق مع الصندوق تونس من استرجاع ثقة الممولين الدوليين في ظل حاجة البلاد إلى تعزيز قدراتها لتغطية عجز الموازنة واستعادة التوازنات المالية على المدى المتوسط.
ويضم الوفد التونسي، كلا من البنك المركزي بقيادة المحافظ مروان العباسي وممثلين عن وزارات المالية والتخطيط والاقتصاد والصناعة والتجارة والفلاحة.
وتترافق هذه المفاوضات مع حاجة ملحة لتونس لتعبئة موارد خارجية بـ12.6 مليار دينار لسد عجز الموازنة، والتخفيف من التضخم الذي صعد إلى مستوى قياسي عند 7.8% في مايو/ أيار، والالتزام بسداد ديونها الخارجية خاصة في ظل التصنيف الأخير لوكالة "فيتش" الذي وضع البلاد في قائمة السبعة عشر دولة المعرّضة للتخلف عن سداد ديونها.
ويرى مراقبون وخبراء أن تونس أضحت على بعد أمتار قليلة من التوصل إلى اتفاق مالي مع صندوق النقد الدولي، خاصة في ظل إعلان الأخير عن ترحيبه ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي أعلنته حكومة نجلاء بودن، وتأكيده على جاهزيته لخوض المفاوضات مع تونس.
تبون يعلن موعد فتح الحدود البرية مع تونس أمام المسافرين

تغيّر في موقف الصندوق

أشار الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي في تصريح لـ"سبوتنيك"، إلى وجود معطيات جديدة غيرت موقف صندوق النقد الدولي تجاه تونس، مشيرا إلى أن ما يطلبه الصندوق هو استمرارية برنامج الإصلاحات الذي سيتفاوض على أساسه مع الحكومة التونسية.
وأضاف: "كان الصندوق متخوفا من عدم التزام الحزب الفائز في الانتخابات القادمة بتطبيق برنامج إصلاحات ربما لم يشارك في صياغته، ولكن يبدو أن هذه المخاوف قد زالت إثر لقاء مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور برئيس الجمهورية".
وأشار الشكندالي إلى أن الرئيس قيس سعيد أطلع أزعور على فحوى الدستور وخاصة النقطة المتعلقة بأن الأحزاب السياسية ليس لها دخل في تشكيل الحكومة، وأن من يعين الحكومة ورئيسها هو رئيس الجمهورية الذي سيكون الضامن لاستمرارية برنامج الاصلاحات مع صندوق النقد الدولي.
ويعتقد الشكندالي أن صندوق النقد الدولي لن يوقع على أي اتفاق مالي مع تونس إلا بعد مرور الاستفتاء، لأن التصويت بـ "لا" على الدستور يعني العودة إلى دستور 2014 وبالتالي الأحزاب هي من ستكون لها الكلمة الأخيرة في تحديد ملامح الحكومة القادمة.
ويرى الخبير الاقتصادي أن زيارة وفد صندوق النقد الدولي الأخيرة إلى تونس هي لمزيد من "جس النبض"، خاصة حول موقف المنظمة النقابية المركزية من برنامج الإصلاحات الاقتصادية، مشيرا إلى وجود تغير في بوصلة اتحاد الشغل الذي سمح لمنتسبيه بالتصويت بحرية على الدستور الجديد بعد أن كان يشترط في السابق تزامن المسار السياسي مع المسار الاقتصادي.
وقال إن هذا الموقف قد يشكل بالنسبة لصندوق النقد ضمانة للتقدم في المفاوضات مع تونس بشرط أن تقترب الحكومة التونسية من مقاربة الاتحاد التي تأخذ بعين الاعتبار التداعيات الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية.
التضخم في تونس يرتفع إلى أعلى معدل خلال 3 عقود

تقدم المفاوضات على حساب تطلعات الشعب

وتشير المحللة المختصة في الشأن الاقتصادي والتجارة الدولية جنات بن عبد الله في حديثها لـ"سبوتنيك"، إلى أن حكومة نجلاء بودن انخرطت بشكل كلي في برنامج الإصلاحات الهيكلية الذي تتفاوض على أساسه تونس مع صندوق النقد الدولي منذ سنة 2013.
وقالت الخبيرة إن الحكومة الحالية قطعت أشواطا كبيرة في تنفيذ هذا البرنامج، من خلال تجميد الأجور والانتدابات في الوظيفة العمومية ورفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات والترفيع في الضرائب والتفويت في المؤسسات العمومية.
وأضافت: "ستتقدم المفاوضات باتجاه التوقيع على الاتفاق المالي المطلوب مع صندوق النقد الدولي، ولكن ذلك سيحدث على حساب تطلعات الشعب التونسي واستحقاقاته في العيش الكريم، باعتبار أن برنامج الإصلاحات الهيكلية يكرس سياسة تفقير الشعب والإقصاء والتهميش من خلال تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي والتنموي والاجتماعي".
ولفتت جنات إلى أن حكومة نجلاء بودن لم تتردد في تنفيذ البنود المتعلقة بهذا البرنامج رغم رفض اتحاد الشغل له، وهو ما يشي بأنها لم تعد تتعامل مع المنظمة كرقم صعب في المعادلة التشاركية، وفقا لقولها.
وتابعت: "بعد إضراب 16 يونيو في القطاع العام، يبدو أن صفة الرقم الصعب التي كان يتمتع بها اتحاد الشغل قد سحبت منه، بالنظر إلى الصمت والتجاهل الذي عاملت به حكومة بودن وقيس سعيد هذا الاضراب، وهو ما كشف لصندوق النقد الدولي عن إصرار هذه الحكومة على استكمال تنفيذ برنامج الإصلاحات الهيكلية".
وترجّح جنات بن عبد الله تخلي صندوق النقد عن شرط موافقة المنظمة النقابية على برنامج الإصلاحات الهيكلية، خاصة في ظل انطلاق المفاوضات بشكل رسمي يوم 4 يوليو/ تموز.
وترى الخبيرة أن الرقم الذي تتفاوض عليه تونس (12 مليار دينار) هو مبلغ ضعيف جدا مقارنة بحاجة الاقتصاد التونسي إلى تمويلات أجنبية تتجاوز 25 مليار دينار، إضافة إلى العجز التجاري الذي سجلته تونس خلال الخمسة أشهر الأولى من سنة 2022 والذي يقدر بـ15 مليار دينار.
وخلصت إلى أن البلاد بحاجة إلى تمويلات بنحو 40 مليار دينار، متسائلة "من أين ستأتي هذه الحكومة بحاجياتها من العملة الصعبة والحال أن كلفة الخروج إلى السوق المالية العالمية باهظة جدا على اعتبار أن نسبة الفائدة قد تتجاوز 10 بالمائة".
قيس سعيد يدعو التونسيين للتصويت بـ"نعم" على الدستور الجديد وينفي أن يكون مهيئا لعودة الاستبداد

جدل حول شرعية الحكومة

وبالتزامن مع بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أعلنت "حملة إسقاط الاستفتاء" أنها ستتوجه برسالة إلى الصندوق من أجل حثه على عدم التفاوض مع حكومة تصفها بأنها غير شرعية.
وفي هذا الصدد، قال الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي وعضو حملة إسقاط الاستفتاء غازي الشواشي لـ"سبوتنيك"، إن الإشكال لا يتعلق بالتعامل مع صندوق النقد الدولي الذي أضحى الحل الوحيد بالنسبة لتونس للخروج من أزمتها، وإنما في التفاوض مع حكومة غير شرعية تمت تسميتها في إطار اجراءات استثنائية.
وأشار الشواشي إلى أن حكومة بودن لن تكون قادرة على الالتزام بالإصلاحات المطلوبة، مضيفا: "هذه الحكومة بصدد التفاوض مع صندوق النقد الدولي بطريقة أحادية الجانب على حزمة من الاصلاحات تتعلق برفع الدعم ووقف الانتدابات والتقليص في كتلة الأجور وإصلاح المؤسسات العمومية".
وأوضح أن هذه الإجراءات "موجعة وصعبة"، ويتطلب تنفيذها توافقا وطنيا واسعا من أهم الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين وفي مقدمتهم الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أعرب عن رفضه لها.
وأكد الشواشي أن الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية قررت مراسلة صندوق النقد الدولي لمطالبته بعدم إقراض "حكومة غير شرعية عاجزة عن تطبيق إصلاحات ليست محل إجماع وتوافق داخلي".
وقال: "الحل لا يكمن في إبرام اتفاق مع حكومة تريد الالتزام بإصلاحات صنعتها في الغرف المظلمة ولم تنشرها للرأي العام، وإنما في تجاوز حالة الاستثناء والجلوس على طاولة الحوار وضبط خارطة طريق للإنقاذ، حتى يكون التفاوض مع الصندوق من موقع القوة.. نحن نريد حلولا جذرية وليس خنق البلاد بمزيد من الديون لا يمكن الالتزام بها".
مناقشة