هل تكون زيارة بيلوسي إلى تايوان القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الصينية الأمريكية

ضاربة بعرض الحائط كل التحذيرات الصينية وغير الصينية، وبكل استفزاز وتجاوز للأعراف الدولية، أتمت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي زيارتها لتايوان (الصين) في خطوة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تمثل تأكيدا واضحا وصريحا على الغطرسة والعقلية الأمريكية التي ترفض تقبل فكرة انتهاء عصر القطب الأوحد الحاكم للعالم، أو على الأقل قرب انتهائه.
Sputnik
حطت طائرة بيلوسي مساء أمس الثلاثاء في مطار العاصمة تايبيه، وسط تكهنات وتوقعات هنا وهناك حول ماهية الرد الصيني وهل ستتدخل الصين عسكريا، هل ستهاجم طائرة بيلوسي، هل ستجتاح تايوان وبيلوسي فيها؛ ترقب الجميع حول العالم الوضع في الجزيرة الصينية، ولكن شئيا من ذلك لم يحصل فمرت زيارة بيلوسي بسلام، واقتصر الرد الصيني على نشر مقاتلات في محيط تايوان وإعلان بكين عن نيتها إجراء مناورات عسكرية في جوار تايون اعتبارا من يوم غد الخميس وحتى الأحد المقبل، أي بعد أن تكون كبيرة المشرعين الأمريكان قد غادرتها.

نفس الأصوات التي كانت تبشر بحرب شعواء وبرد ناري عسكري من قبل الصين، بدأت تهاجم بكين وتدعي أنها تتقن الأقوال لا الأفعال وأنها ليست بعد تلك القوة العظمى التي تجرؤ على تحدي المارد الأمريكي والدخول معه في حرب قد تكون ببساطة حربا عالمية ثالثة تتضرر منها كل بقعة في العالم بلا استثناء، وتعيد البشرية مئات السنين إلى الوراء.

ولكن هل حقا الصين تخشى أمريكا وتخافها لهذه الدرجة، وهل هي تتقن فقط الكلام والصياح دون أي قدرة على الرد عمليا على الأرض.
للجواب على هذا السؤال، لا بد من الإجابة على أسئلة أخرى كثيرة متعلقة به، وهي هل الحرب اليوم بين الدول عسكرية بالدرجة الأولى أما انها اقتصادية، إعلامية ، تكنولوجية، بيولوجية، وغيرها..؟، وهل الدخول في حرب مع الولايات المتحدة أمر في تلك السهولة أم أنها تبقى أمريكا "الدولة العظمى التي تقود العالم" منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم؟، وهل الصين تريد حربا مع أمريكا أم تريد استعادة جزيرة تايوان التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من أراضيها؟
تايوان تنشر دفاعاتها الجوية بعد دخول 27 مقاتلة صينية مجالها الجوي
نعم وبكل تأكيد الحرب اليوم ليست عسكرية فقط، وخير مثال على ذلك هو الحرب الشعواء التي تشنها دول كبيرة في العالم بقيادة أمريكا ضد روسيا، هذه الحرب الاقتصادية والالكترونية والرياضية والاجتماعية اللاأخلاقية التي تضعف أقوى اقتصادات العالم وتركع أعتى القوى وأعظمها.

نعم وبكل تأكيد وإن كانت الولايات المتحدة اليوم ليست في أحسن أحوالها فهي تبقى دولة كبيرة وعظمى ليس من السهل بمكان خوض حرب ضدها وضمان الفوز بها بشكل كامل، إلا اذا اجتمعت في مواجهتها أكثر من دولة من جبابرة العالم كروسيا والصين ومعهما إيران وبعض دول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، فالحرب مع أمريكا ليست مزحة في جميع الأحوال، وأضرارها سترتد على الجميع دون استثناء.

وثالثا وهو الأهم أن الصين تريد أن تقطف العنب لا أن تقاتل الناطور كما يقول المثل الشعبي الدارج، فإذا استطاعت الصين استعادة تايوان بعمل عسكري متقن مخطط له بدقة وحرفية عالية، دون أن تدخل في حرب مباشرة مع أمريكا فهي لن تفوت تلك الفرصة، لاسيما وأن زيارة بيلوسي أعطت بكين الذريعة للقيام بهذا العمل العسكري، الذي ذكره وتحدث عنه أكثر من مرة عدد من مسؤولي الصين رفيعي المستوى، والذين أكدوا أن اعتمادهم الدبلوماسية في حل مشكلة تايوان لا يعني عجز بلادهم عن استعادة الجزيرة عسكريا إذا ما أغلقت كل أبواب الحل السياسي، والذي نعتقد أن رد الولايات المتحدة عليه لن يتجاوز العقوبات الاقتصادية دون أن يتخذ الشكل العسكري.
تدريبات عسكرية صينية "تطوق" تايوان من جميع الجهات في الليلة الأولى لبيلوسي فيها... صور
عقوبات اقتصادية صينية على تايوان، طيران وتحليق للطيران الصيني في محيط بكين، ارتفاع حدة الخطاب الصيني المعترض على خطوة بيلوسي، وتحميله إدارة بايدن مجتمعة نتائج ما ستسفر عنه هذا الخطوة، قابل ذلك وعود أمريكية لتايوان بدعم اقتصادي وأمني ومحاولة واشنطن إظهار نفسها أمام حلفائها الآسيويين وكأنها لا تزال صاحبة الكلمة العليا في كل بقاع العالم. كل هذا ينبئ بأن القادم ليس أفضل ولا أجمل، وبأن تحركا عسكريا صينيا بات قريبا جدا، وأننا أمام مرحلة حساسة جدا من عمر كوكبنا المتعب، خاصة وأن الخطوة الصينية إذا ما تمت فإنها ستتزامن مع استمرار العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا لحماية دونباس، وبالتالي سيصبح انقسام دول العالم إلى معسكرين أكثر وضوحا، بحيث تقود روسيا والصين وحلفاؤهما المعسكر الأول وتقود الولايات المتحدة وتابعوها من الغرب المعسكر الثاني.
في جميع الأحوال لا يمكن لأحد أن يتكهن بما سيحدث على الساحة العالمية قريبا فالمتغيرات كثيرة والمتحولات عديدة وكل شيء قابل للتبدل في أي لحظة إذا ما تبدلت المصالح والمنافع، وهذه هي لعبة الأمم التي لا رابح فيها، والخاسر الأول والأخير فيها هو البشرية بعنصرها الأساسي وهو الإنسان.
المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط.
مناقشة