انتحار الضياع.. الأزمات الاقتصادية تدفع اللبنانيين لإنهاء حياتهم وسط غياب الحلول

في وقت لم يكن السواد الأعظم من اللبنانيين معتادون فيه على هذه الحياة الصعبة، وسط ظروف اقتصادية ومالية واجتماعية متردية، تنامت ظاهرة الانتحار لتدق ناقوس الخطر أمام الحكومة والبرلمان، نحو ضرورة إيجاد مخرج للأزمة الراهنة.
Sputnik
وخلال أسبوع واحد، أقدم 5 لبنانيين على الانتحار بسبب الضائقة الاقتصادية التي يمرون بها، في خطوة وصفها المراقبون بـ"الخطيرة"، مؤكدين أن الظاهرة آخذة في التنامي في ظل انسداد أي أفق للحل السياسي وإنهاء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
ويعيش لبنان وضعا اقتصاديًا متأزمًا، وتتعرض العملة اللبنانية إلى سقوط حاد ومتسارع مقابل الدولار الأمريكي الذي يواصل ارتفاعه ليلامس 89 ألف ليرة لبنانية، مع عجز اقتصادي متواصل.

انتحار الضياع

اعتبر الدكتور مأمون طربية، الباحث في السلوك الاجتماعي بالجامعة اللبنانية، أن من الخطأ الشائع لدى الكثيرين، أن ظاهرة الانتحار هو فعل شخصي فقط، في حين أثبتت الدراسات العلمية أنها نتيجة علاقة ما بين الإنسان والمجتمع، فالأخير مساهم وذات علاقة بظهور هذه الظاهرة؛ ما دفع بعض الباحثين بوصف الانتحار على أنه واقعة اجتماعية لا يمكن تفسيرها إلا بحقائق اجتماعية.
الأزمة الاقتصادية تعصف بقطاع الأدوية في لبنان
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، هذا يعني أن كثيرًا من حالات الانتحار تكون غالبا نتيجة واقع اجتماعي مفكك، أو خلل اقتصادي، أو معاناة شخصية لها علاقة بتواصل المنتحر مع محيطه ومجتمع والآخرين، وعلى ضوء ذلك، يمكن إدراج ظاهرة الانتحار المتنامية في الفترة الأخيرة في خانة ما يسمى بـ"انتحار الضياع"، وهو نوع من أنواع الانتحار يأتي بسبب فقدان المرجعيات التي يمكن أن يلجأ إليها الفرد في مشاكله، مثل فقدان الأمان الوظيفي والاجتماعي وكذلك الأمان الاقتصادي.
الإنسان الذي يفقد الأمل، بحسب طربية، يدخل في حالة من الإقصاء عن المجتمع، ويصبح أقرب للطبقة المسحوقة، نتيجة الأوضاع المعيشية المتردية والصعبة، والتي تأخذ الإنسان نحو حالة من الاغتراب النفسي، يدخل بعدها في حالة صعبة، يصبح لديه أفكار سوداوية واكتئابية كالرغبة في الانسحاب من الوجود، نتيجة الأوضاع الاقتصادية أو الظروف الحياتية الصعبة.
ويرى أن هناك علاقة قوية ما بين الانتحار والأزمات، وهي تعود لمدى قدرة الشخص على التكيف مع هذه الأزمات، فهناك من يستطيعون التكيف معها، والخروج منها بدون التأثر بالأمراض، أو اكتساب سلوك الانتحار، أو الإجرام، وغالبًا ما يملك هؤلاء عوامل أخرى تساندهم في عدم التأثر بها، في حين يرى آخرون أن جميع الأبواب قد أغلقت في وجههم، وأن عليهم الانسحاب.
لبنان... جعجع يبحث مع الاتحاد الأوروبي كيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية في بلاده
وأكد أن هناك ترادف ما بين ظاهرة الانتحار وشدة الأزمة التي يتعرض لها الأشخاص، وأن هناك عواملا يمكنها منع البعض من الإقدام على ظاهرة الانتحار مثل الإيمان الديني، أو الارتباط بأشخاص على قيد الحياة، أو امتلاك أمل وتفاؤل وطاقات إيجابية، فيما يضطر آخرون إلى اللجوء للانتحار والانسحاب الفوري من الوجود.

انعكاسات اجتماعية

بدوره اعتبر رياض عيسى، الناشط اللبناني في المجال المدني والإغاثي والسياسي، أن من الطبيعي جدا انعكاس الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها لبنان، سلبًا على المواطنين وأوضاعهم النفسية والصحية والاقتصادية، لا سيما بعد أن أدت إلى ارتفاع نسب البطالة وانهيار العملية وتدني القيمة الشرائية لليرة.
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك"، هذه الأوضاع تركت أثرا بالغا في نفوس اللبنانيين، الذين اعتادوا على العيش الكريم، وعلى نمط حياة معين من الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم، ومن البديهي أن يتأثر أي شخص لديه عائلة وبات عاجزًا عن تأمين قوت يومها نفسيًا، بل ويفكر في حلول مختلفة للخروج من هذا المأزق، من بينها الانتحار.
ما هي التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لرفع سعر الصرف الرسمي في لبنان
وأكد عيسى أن هذه الأزمة زادت من توجه عدد كبير من العائلات إلى الاستدانة والوقوع تحت عجز سداد الديون، وبالتالي أصبح المرء أمام خيارات مسدودة، وغياب أي أفق للحل، لا سيما وأن الأزمة تزداد سوءا وبات من الصعب على أي معيل ومواطن أن يجد حلولا لها، في ظل انغلاق أبواب الهجرة، ومحدودية فرص العمل نتيجة المنافسة الكبيرة، وأن أصحاب الشركاء والمؤسسات يضطرون إلى الإغلاق، أو تقليل عدد العمال من أجل عدم قدرتهم على الاستمرار في ظل الوضع الاقتصادي الحالي.
ويرى أن هذا الأثر البالغ في نفوس اللبنانيين، دفعت البعض للبحث عن إيجاد حد لظروفهم ومأساتهم، واضطر البعض للجوء إلى الانتحار، وخسر لبنان بعض من شبابه خلال أيام قليلة، وهم معروفون في أوساطهم الاجتماعية بأنهم اعتادوا على العيش عيشة كريمة، كاشفًا عن مخاوف حقيقية من تنامي حب الانتحار لدى الشباب، وخسارة المزيد من المواطنين في أعقاب تلك الأزمة.
ويعتقد الناشط اللبناني، أن هذا الوضع المأساوي نتيجة غياب السياسات الحكومية وقدرة المسؤولين اللبنانيين سواء برلمان أو حكومة على إيجاد حلول لهذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستعصية، مشيرًا إلى غياب أي أفق للحل، بل والتوجه إلى المزيد من الانهيار المالي والاقتصادي، وهو ما قد ينعكس بصورة أكبر في الفترة القادمة على الأوضاع الاجتماعية للمواطنين.
ويحتل لبنان المركز الثالث عالميًا والأول عربيًا في تضخم أسعار الغذاء بنسبة 143% في مؤشر البنك الدولي لتضخم أسعار الغذاء.
مناقشة