العملية العسكرية الروسية الخاصة

روسيا تواجه النازية الأوكرانية "بحفنة" من أسلحتها الاستراتيجية

تتساءل الأوساط المتابعة لمستجدات العملية العسكرية الروسية الخاصة حول العديد من السلوكيات العسكرية لقيادة الجيش الروسي، ولعل أبرز هذه التساؤلات يدور حول تجنب روسيا استخدام كامل ترسانتها العسكرية.
Sputnik
ووفقا للمعطيات المتاحة فإن الجيش الروسي يمتلك قدرات تقارع وتتفوق على أغلب جيوش العالم، حيث تم تصنيفه كثاني أقوى جيش في العالم.
وعلى الرغم من أن الرأي السائد هو حفاظ روسيا على عنصر المفاجئة، حيث أنه يرضي فضول أغلب الذين يدور في خلدهم هذا السؤال، إلا أنه سبب مقتضب لا يختزل الأسباب بكليتها.
أهداف إنسانية وأخرى استراتيجية
دأبت روسيا منذ 24 فبراير/ شباط على إبراز طبيعة العملية العسكرية، بدءا من التسمية بحد ذاتها، حيث أحاط الكرملين علما بأن الآلة الإعلامية الغربية لن توفر فرصة في سبيل شيطنة روسيا بعد بدء العملية العسكرية، فطورا يسمونها "غزوا" وتارة "احتلالا" أو "حربا" على الشعب الأوكراني.
إلا أن موسكو أكدت أنها تنفذ عملية خاصة لحماية الشعب الأوكراني ولا سيما سكان إقليم دونباس من براثن النازية واجتثاثها كليا، مما شكل رسالة للعالم مفادها أن نظام زيلينسكي هو المعتدي الحقيقي على الشعبين الروسي والأوكراني، مما رسخ البعد الأخلاقي والأنساني للعملية العسكرية الخاصة.
العملية العسكرية الروسية لحماية دونباس
الخارجية الروسية: الهدف من العملية الروسية هو تقديم النظام العميل في كييف إلى العدالة
كما أوضحت روسيا ممثلة بكامل كياناتها السيادية لا سيما العسكرية منها أن الهدف الاستراتيجي من العملية العسكرية هو تحرير إقليم دونباس بجمهوريتيه وامتدادهما الطبيعي والتاريخي المتمثل بمقاطعتي زابوروجيه وخيرسون.
وبالإضافة إلى ذلك نزع السلاح الأوكراني من نظام كييف لوأد أي محاولة مستقبلية لتهديد الأمن القومي الروسي، حيث شكل هذان الهدفان البعد الاستراتيجي العسكري من العملية.
العامل النفسي والمعنوي
وواظب نظام كييف منذ انقلاب عام 2014 على تقديم فروض الطاعة كدمية في يد التكتل الغربي بقيادة الولايات المتحدة، إذ أن الرئيس الأوكراني الحالي لا يملك شخصية قيادية تخوله الحفاظ على سيادة بلده، لذلك لم يتعد كونه بيدقا في عيون جميع الأطراف سواء أكانت روسيا أو الغرب نفسه.
ولكن ذلك لا ينفي أن هذا النظام يشكل خطرا على موسكو، حيث يستخدمه الغرب كرأس حربة في مواجهتها دون التورط بحرب مباشرة معها.
ولذلك ترغب موسكو أولا بتحجيم هذه النظام بكامل كياناته السياسية والعسكرية خصوصا أن استنفار كامل وحدات الجيش الروسي سيعطي زخما لنظام كييف ويصوره نمرا من ورق في عيون الشعب الأوكراني والعالم كونه يتعرض "لحرب شاملة" من ثاني أقوى جيوش العالم حينها.
ومن يشكك بقدرات روسيا من هذا المنظور عليه تذكر أن دول الناتو تحت قيادة الجيش الأمريكي لم تستطع هزيمة بضعة آلاف من عناصر "طالبان" (منظمة تخضع لعقوبات الأمم المتحدة بسبب الأنشطة الإرهابية) كانوا يسكنون الكهوف كالإنسان الحجري ولم يمتلكوا نفس التكنولوجيا والمعدات والدعم الغربي الذي يقدم على طبق من ذهب لنظام كييف.
تحقيق معظم الأهداف بأقل مجهود
تصنع روسيا أقوى أنواع الصواريخ الفرط صوتية والعابرة للقارات مثل "سارمات" و"تسيركون" و"كينجال" و"أفانغارد"، إضافة للطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية من الجيل الخامس والقائمة تطول، لذلك تدور التساؤلات عن السبب الذي يمنعها من استخدامها بالزخم الذي يؤهلها لمحو نظام كييف من الوجود.
لم تدخل روسيا في واقع الحال حتى بكامل قواتها البرية، فقبل بدء التعبئة الجزئية التي اكتمل نصابها بقوام 300 ألف عنصر، كان تعداد القوات الروسية أقل من ذلك بكثر، حيث كان العنصر البشري الطاغي يتمثل بقوات جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين آنذاك (قبل الانضمام لروسيا بالاستفتاء)، وبالتزامن مع انضمام المناطق المحررة قامت روسيا بزيادة العدة والعتاد على جبهات القتال.
وحققت روسيا جزءا كبيرا من أهداف العملية بعد تحرير معظم أراضي جمهورية لوغانسك الشعبية وأكثر من نصف أراضي جمهورية دونيتسك والخط الساحلي بمرافئه الرئيسية كماريوبول وأمنت السيطرة على بحر آزوف بأكمله والجزء الأكبر من الأراضي المطلة على البحر الأسود، إضافة للسيطرة على محطة زابوروجيه التي تعد أهم المحطات النووية وأكبرها في أوروبا.
وذلك بالإضافة لتدمير البنى التحتية للجيش الأوكراني، باستخدام جزء يسير من الصواريخ الباليستية بالإضافة لسلاح الجو، حيث أنجزت روسيا "بعشر معشار" ترسانتها العسكرية قسما كبيرا من الأهداف المعلنة للعملية العسكرية.
لكل مقام مقال
لقد أظهرت مستجدات العملية العسكرية أن القيادة الروسية تعتبر حياة أفراد الجيش كأولوية قصوى، وبالتالي تريد تحقيق أهداف العملية العسكرية بأقل الجهود، فما من داع لاستنزاف حياة العسكرين والمخزونات الاستراتيجية من الأسلحة الضاربة ضد بناء آيل للسقوط.
العملية العسكرية الروسية الخاصة
بوتين يقول إنه لا توجد ضرورة لتوجيه ضربات مكثفة إلى أوكرانيا في الوقت الراهن على الأقل
ولذلك من الجلى أن روسيا ورغم أنها تنفذ عمليات عسكرية لتحرير كامل الأقاليم الجدد إلا أنها عمليا لم تحرك سوى بعض البيادق الكفيلة بحركة "مات الشاه" أو "تشيك ميت".
وعلى من يشكك بالتقنيات العسكرية الروسية أن يسأل نفسه عن سبب إنفاق الجيش التركي وهو أحد أكبر جيوش الناتو للمليارات في سبيل الحصول على منظومات الدفاع الجوي "إس 400" مفضلا إياها على منظومات الباتريوت الأمريكية، وأين اختفى أسطول أوكرانيا من طائرات "بيرقدار" التركية.
وبالتالي فإن روسيا لا تريد اصطياد الأرنب الأوكراني بالمنجنيق، حيث أنها ليست بمعرض استخدام المخزون الاستراتيجي من الصواريخ في صراع محسوم لها.
وختاما، فقد أثبت التاريخ أن كواليس الصراعات كثيرا ما تخبئ في طياتها الكثير من التفاصيل التي لا تظهر إلى العلن آنيا، وبالتالي فبنهاية العملية العسكرية ستتكشف تفاصيل أكبر قد تجيب على العديد من التساؤلات.
المقال يعبر عن رأي كاتبه.
مناقشة