الغزو الأمريكي للعراق عام 2003

مسؤول عراقي سابق لـ"سبوتنيك": أمريكا اتخذت قرار تدمير العراق قبل سنوات من الاحتلال

كم من الجرائم ارتكبتها القوات الأمريكية في حربها واحتلالها للعراق في العام 2003 بعد ثلاثة عشر عام من الحصار غير المسبوق بمعاونة دول عربية وإقليمية، رغم مرور عقدين على دخول الاحتلال الأمريكي إلى بغداد لا تزال كثير من الألغاز دون حل حتى الآن، سر إصرار بوش على تسويق الأكاذيب لاحتلال بلاد الرافدين وكيف تعاملت الدبلوماسية العراقية مع تلك الأزمة.
Sputnik
في إطار كشفها للحقائق من المسؤولين وشهود العيان ممن حضروا وشاركوا في تلك الفترة، أجرت "سبوتنيك" المقابلة التالية مع السفير فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان والمدير السابق لمكتب وزير الخارجية العراقي قبل الاحتلال الأمريكي.
إلى نص الحوار…
بداية، بصفتكم أحد الدبلوماسيين العراقيين وشاهد عيان على مرحلة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق في مارس/آذار 2003، كيف كانت علاقات بغداد الخارجية في ذلك التوقيت، وهل كانت هناك محاولات لتفادي الحرب؟
بصفتي الرسمية كان آخر منصب شغلته في الحكومة العراقية، هو سفير لها لدى اليونان قبل وأثناء الغزو الأمريكي في العام 2003، وقبلها كنت مدير مكتب وزير خارجية العراق السفير ناجي صبري الحديثي، وكنت على اضطلاع بكل ما جرى في فترة ما قبل الاحتلال، وبذلنا الكثير من الجهد من أجل إبعاد خطر الهجوم الأمريكي، لأننا توقعنا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وبعد توجيه بعض الاتهامات غير الحقيقية والتي لا ترتبط بالواقع من امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وربما يكون ضالع في عمليات 11 سبتمبر، وبعد احتلال أفغانستان توجهت الحملة الأمريكية الغربية نحو العراق.
1 / 5

فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان

2 / 5

فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان

3 / 5

فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان

4 / 5

فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان

5 / 5

فاروق الفتيان، آخر سفير للعراق لدى اليونان

بعد احتلال أفغانستان والحملة الإعلامية ضدكم.. هل كان لديكم يقين بأن الدور قادم على العراق؟
بعد أن رصدنا التوجه الأمريكي والغربي العدائي نحو العراق، حاولت بغداد جاهدة جمع رأي عام دولي ضد تلك التوجهات من خلال تحركات قام بها وزير الخارجية العراقي السفير ناجي صبري، إلى العديد من الدول العربية وبشكل خاص الدول الخليجية، وكانت هناك زيارات إلى الإمارات وقطر والبحرين، وبعد قمة بيروت 2002 كانت هناك زيارات إلى القاهرة ودمشق والجزائر، ثم بدأت الخارجية تحركات إقليمية إلى إيران ودول مجاورة أخرى، ومن ثم بدأ تحرك غربي سواء كان من خلال الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وزيارة عدد من الدول الأوروبية وموسكو وباكستان والهند.
هذا التحرك العراقي كان يهدف إلى دفع آلة الحرب التي كانت تعدها الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن نشعر أن العراق لا يملك هذه الأسلحة وأن الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير كانوا مسيرين من قبل اللوبي الصهيوني واللوبي المعادي للأمة العربية والذي بنى خطته على أن سقوط بغداد يعني سقوط العديد من الدول العربية وهذا ما لمسناه في العام 2003، وإذا نظرنا إلى الواقع العربي اليوم نرى كيف استطاعت مليشيات الولائية أن تتغلغل في أكثر من بلد عربي بعد سقوط العراق، ونفس الشيء في ليبيا والسودان وسوريا والأوضاع في مصر ولبنان، نجد أنها تعيش أضعف مراحلها.
الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
تسلسل زمني... تصريحات صدام حسين منذ بداية الغزو الأمريكي وحتى القبض عليه
طوال 13 عام من الحصار الأمريكي الدولي على العراق ..كانت كل المؤشرات تؤكد أن واشنطن تجهز للغزو ..ماذا أعددتم لتلك اللحظة؟
بعد فرض الحصار على العراق أثناء حرب الخليج أو حرب الكويت، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال التعاون مع أغلب الدول في المنطقة بكل أسف، لفرض حصار ظالم قاهر على العراق، وأنا كنت في تلك الفترة موجود في بغداد وكنا نعاني كعوائل وكان الحصول على دواء للأطفال بالغ الصعوبة، ناهيك عن الحصول على الغذاء.
كانت أصعب السنوات هما العامين 1991 إلى 1995، حتى استطاعت الحكومة العراقية التوافق مع الأمم المتحدة على برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء عام 1996، ومكن هذا الاتفاق البسيط الحكومة العراقية من تجهيز وتوفير بعض قطع الغيار للمصانع المتوقفة، ورغم ذلك كنا نشعر أن الولايات المتحدة الأمريكية جادة في توجهها نحو تدمير العراق، حيث لم يكن هناك أي حصار دولي يشبه الحصار المفروض على العراق، وبكل أسف شاركت بعض الدول العربية فيه وكانوا يمنعون عن العراقيين بعض الكيلوات من الدقيق إذا تسوقها من بلدانهم، حيث كانت شرطة المناطق الحدودية للعراق مع تلك الدول تقوم بأخذ أي أغذية من العراقيين وتقوم بإتلافها أمامهم ويعودون فارغي اليدين إلى بيوتهم، وقد حدث ذلك معي وشاهدته مع الآخرين، لكن بعد 1996 تحسنت الأمور من خلال اتفاقية النفط والغذاء مع الأمم المتحدة.
الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
أكاذيب اعتمدت عليها الولايات المتحدة في غزوها لدول العالم
طوال سنوات الحصار كانت فرق التفتيش الدولية تجوب كل شبر في العراق حتى مقار الحكومة والقصور الرئاسية، لماذا قبلتم هذا الأمر؟
نظرا للحصار القاسي الذي فرض على العراق واتهامه كذبا بامتلاك أسلحة دمار شامل، قبل العراق بفرق التفتيش الأممية، ورغم عدم قناعة بغداد بفرق التفتيش تلك، إلا أنه فتح لها الأبواب وسمح لها بالدخول إلى مواقع لا يمكن أن نسمي تلك الحالة سوى بالاستفزاز، فعندما تقرر فرق التفتيش الدخول إلى مقار الرئاسة أو وزارة من الوزارات وهم يعلمون جيدا أنها خالية من أي شيء، لكنه نوع من الاستفزاز للعقل والشخصية والإرادة العراقية، ونحن كموظفين في وزارة الخارجية وقتها، لم نكن على قناعة بحيادية فرق التفتيش، بل هى فرق خاضعة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وتقوم بالعديد من الأعمال الاستفزازية لإثارة الفتن والذرائع لتبرير المخطط الأمريكي.
لم يكن أمام العراق سوى القبول، ونحن كدبلوماسيين وعسكريين وإن كنا لا نقبل مثل تلك الأمور، لكننا مضطرون لقبول مثل هذه الأمور وفق تعليمات القيادة العليا في البلاد، ولو كان الأمر بيدي ما فتحت لهم باب بيتي ولا تعاونت مع أي شخص، كان عندي قناعة أن هؤلاء جاؤوا لتدمير العراق وليس لإبعاد خطر الحرب، وبعد الاحتلال انكشفت الأمور وأن تلك الفرق كانت تعمل لحساب أمريكا وكان البرادعي الذي نقول أنه يحمل الجنسية العربية أحد هؤلاء، الذي لم يكن عربيا في تصرفاته أو وقف مع العراق في تلك الأزمة، على العكس كان متآمر على العراق وحاله أشد من أي من أعضاء فرق التفتيش.
الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
قائد عسكري يروي لـ"سبوتنيك" أبشع الجرائم التي ارتكبها الأمريكيون ضد العراق في حرب 2003
بعد اقتناعكم بأن الحرب قادمة لا محالة..كيف استعددتم دبلوماسيا لهذا الأمر؟
للأسف القيادة رغم كل محاولاتها لدفع العدوان كانت على قناعة أنه لن يحدث تقدم أمريكي واحتلال كما حدث في أفغانستان، بل كانت التوقعات لا تتعدى الضربات الجوية لبعض المنشآت والتحركات العسكرية، وربما كانت القيادة تعتقد أن هذا الاحتلال لن يتم، لكن أنا شخصيا كنت أتحرك في اليونان من خلال ظهوري في القنوات التلفزيونية بشكل كامل وأطرح مسألة أن الولايات المتحدة وبريطانيا مصرين على ضرب وتدمير العراق الذي يمثل بوابة الشرق والسد المنيع للأمة العربية.
نذكر هنا تحرك وزير الخارجية ناجي صبري على جميع الأصعدة، لكن القرار الأمريكي بتدمير العراق كان قد صدر بالفعل ولو كان العراق وقتها يمتلك سلاح مثلما تمتلك إيران اليوم، ربما كانت الحسابات تختلف كثيرا بالنسبة لواشنطن، ولما تحدثوا عن أنهم قادرون على احتلال العراق خلال أيام، وهذا ما حدث عام 2003.
ما حقيقة استقبال العراقيين لقوات الاحتلال الأمريكي بالورود..وهل كانت هناك انتهاكات من جانب المحتلين؟
لا أعتقد أن الشعب العراقي استقبل الأمريكان بالورود إلا من خلال بعض العناصر التي تحكم الآن وولائها لدول الجوار، ولو عدنا لمحافظة البصرة وبالتحديد في منطقة (أم قصر)، لم تستطع القوات البريطانية الدخول إليها طوال 13 يوم رغم أن ما بها كان لواء واحد فقط من الجيش العراقي، ولم تستطع تلك القوات دخول المنطقة إلا بعض حصار اللواء ما يقارب أسبوعين حتى تمت إبادته بالكامل.
بكل أسف لعب التفوق الجوي الكبير لقوى الاحتلال في ظل غياب القوة الجوية وبقية الأسلحة العراقية دورا كبيرا في انهيار الأوضاع وساعدت على دخول الاحتلال الامريكي، لا ننكر أن هناك مجاميع صغيرة جدا هللت للاحتلال أغلبها من مؤيدي طهران ولا تزال حتى الآن تحكم العراق، ولم تتجاوز نسبتهم في كل الانتخابات العراقية السابقة أكثر من 20 في المئة.
الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
11 مهندسا لحرب العراق... ما هو مصيرهم بعد 20 عاما
*أبرز جرائم أمريكا في العراق بعد دخولها إلى بغداد؟
الجريمة الكبرى كانت قبل دخولهم إلى بغداد وتمثلت في استمرار الحصار وتضييقهم على العراق والذي أدى بدوره إلى وفاة أكثر من مليون طفل خلال 11 سنة، فالكثير من تلك الحالات كانت تحتاج إلى الأدوية وإجراء العمليات الجراحية واستمر الحال حتى 1998 قبل أن تعتمد بغداد على نفسها.
تمثلت جرائم القوات الأمريكية بعد الاحتلال في عمليات اقتحامهم لأي مدينة وقيامهم بعمليات القتل دون سابق إنذار، ثم جاءت الجرائم التي شاهدها العالم داخل سجن أبو غريب وسجن المطار والتاجي ومنطقة أم قصر والبصرة، وهى سجون أنشأها الأمريكان واحتجزوا بها الآلاف من العراقيين سواء من أركان النظام السابق أو من قادة الجيش أو ممن أطلقوا عليهم المخربين والإرهابيين وهم في الحقيقة من المقاومين للاحتلال.
وكانت مدينة الفلوجة هى التي تحمل الراية الحقيقية للمقاومة، لذلك تم تدمير تلك المدينة بشكل كامل بكل أنواع الأسلحة برا وبحرا وجوا، كما استخدموا قنابل النابالم وحتى الأسلحة الكيميائية لتدمير الفلوجة والسيطرة عليها بعد أن عجزوا عن اقتحامها من خلال قواتهم البرية، بعد معركة الفلوجة الأولى والثانية عام 2004 استطاعت القوات الأمريكية أن تفرض سيطرتها على غالبية المدن العراقية بعد التعاون من جانب أطراف داخلية عراقية وفق ما تم تسويته بـ"الصحوات".
هل تدخل الأفعال الأمريكية تحت غطاء جرائم الحرب التي يمكن أن يحاسب من قاموا بها؟
لدينا عدد من المراكز الحقوقية والمهتمين بمثل تلك الجرائم في العديد من دول العالم وأيضا من خلال الجاليات العراقية الموجودة في أوروبا والوطن العربي، قمنا بعمل الكثير من المؤتمرات والمنتديات لتوثيق تلك الجرائم، لكن لا تزال واشنطن لها اليد الطولى، ولا يخفى علينا أن خطر المليشيات الولائية اليوم كبير جدا.
أجرى الحوار/أحمد عبد الوهاب
مناقشة